فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إذَا ثَبَتَ الْإِكْرَاهُ , وَكَانَ ظُلْمًا بِأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ فَأَصْلُ الْمَذْهَبِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ , وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ , وَأَصْبَغُ عَنْ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنهم أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ , وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِلَا ثَمَنٍ , وَيَتْبَعُ بِهِ الْمُشْتَرِي الظَّالِمَ سَوَاءٌ دَفَعَهُ لَهُ أَوْ لِلْبَائِعِ , وَعَلِمَ دَفْعَهُ لِلظَّالِمِ أَوْ جَهِلَ الْحَالَ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُكْرَهَ بِالْفَتْحِ صَرَفَهُ فِي مَصَالِحِهِ قَضَى عَلَيْهِ بِرَدِّ مِثْلِهِ لِلْمُشْتَرِي , وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْإِكْرَاهِ أَمْ لَا , وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ , وَشُرَّاحُهُ , وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَا بَاعَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ غُرْمِ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي عَالِمًا بِإِكْرَاهِهِ فَيَتْبَعُ الْمُكْرِهَ بِكَسْرِ الرَّاءِ بِثَمَنِهِ , وَيَرُدُّ عَلَى الْمُكْرَهِ بِفَتْحِهَا مَالَهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ , وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ , وَقَيَّدَ بِهِ ابْنُ النَّاظِمِ كَلَامَ وَالِدِهِ فَيَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ الرَّاجِحُ فِي الْمَذْهَبِ , وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنَّهُ لَازِمٌ , وَأَفْتَى بِهِ اللَّخْمِيُّ وَالسُّيُورِيُّ , وَاسْتَحْسَنَهُ حُذَّاقُ الْمُتَأَخِّرِينَ , وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ , وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ هِلَالٍ وَالْعَقَبَانِيُّ وَالسَّرَقُسْطِيُّ وَالْقِشْتَالِيُّ قَاضِي فَاسَ , وَجَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ سَنَةٍ . قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا بِيعَ تَحْتَ الضَّغْطِ , وَالْإِكْرَاهِ فِي غَيْرِ حَقٍّ شَرْعِيٍّ فَيُفْسَخُ الْبَيْعُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ , وَرُدَّ الْمَبِيعُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ عَلَى بَائِعِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ , وَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مُشْتَرِي مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الضَّغْطِ إذَا كَانَ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ بِهِ , وَيَضْغَطُونَ ظُلْمًا أَوْ تَعَدِّيًا بِأَنْ كَانُوا فُقَرَاءَ لَا يَلْزَمُهُمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَتَيَسَّرُوا فَيُبَاعُ عَلَيْهِمْ مَا لَا يَلْزَمُهُمْ بَيْعُهُ كَثَوْبٍ يَسْتُرُونَ بِهِ , وَشَبَهِهِ فَهَذَا يَلْزَمُ مُشْتَرِيه رَدُّهُ إلَى بَائِعِهِ لِأَنَّهُ بِيعَ عَلَيْهِ ظُلْمًا , وَأَمَّا إنْ بِيعَ فِي حَقٍّ وَاجِبٍ عَلَيْهِ تَحْتَ الضَّغْطِ وَالْإِكْرَاهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ , وَهُوَ سَائِغٌ لِمَنْ اشْتَرَاهُ , وَسَبِيلُ الْمَضْغُوطِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَيْعِ حَقِّهِ سَبِيلُ الذِّمِّيِّ فِي رَدِّ مَالِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ بَلْ هُوَ فِي الْمُسْلِمِ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ , وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ , وَمُطَرِّفٍ , وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ , وَأَصْبَغُ , وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَضْغُوطٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطَةِ , وَسَوَاءٌ وَصَلَ الثَّمَنُ مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَى الْمَضْغُوطِ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ دَفَعَهُ لِلضَّاغِطِ أَوْ جَهِلَ هَلْ دَفَعَهُ لَهُ أَوْ أَدْخَلَهُ فِي مَنَافِعِهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي مَنَافِعِهِ أَخَذَ مِنْ مَالِهِ , وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَيْضًا فِي نَوَازِلِهِ , وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي بَيْعِ الْمَضْغُوطِ بِغَيْرِ حَقٍّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا , وَاَلَّذِي أَقُولُهُ مِنْ ذَلِكَ , وَأَنْقُلُهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ , وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ , وَهُوَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا بَاعَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ غُرْمِ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَاعُ عَالِمًا بِضَغْطِهِ فَيَتْبَعُ الضَّاغِطَ بِالثَّمَنِ , وَيَرُدُّ عَلَى الْمَضْغُوطِ مَالَهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ فَالْجَوَابُ عِنْدِي أَنْ يُقْضَى لِلْقَائِمِ بِالدَّارِ الَّتِي قَامَ بِهَا , وَيَرُدَّ الثَّمَنَ الَّذِي قَبَضَ فِيهَا إلَّا أَنْ يُثْبِتَ عَلَى الْمُقَوِّمِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمُبْتَاعِ لَهُمَا الْعِلْمَ بِحَالِ الْبَائِعِ مِنْ الضَّغْطِ وَالْإِكْرَاهِ فَتُرَدُّ عَلَيْهِ الدَّارُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ , وَيَتْبَعُ بِالثَّمَنِ الضَّاغِطَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي ابْتَاعَ لَهُمَا هُوَ الْعَالِمُ بِالضَّغْطِ دُونَهُمَا فَيَكُونُ لَهُمَا الرُّجُوعُ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمَا بِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ , وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْتَفْسِرَ الشُّهُودُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْوُجُوهِ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الِانْتِبَاهِ وَالْمَعْرِفَةِ , وَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ فِي ذَلِكَ عَامِلَةٌ , وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْمَضْغُوطِ , وَالسِّجْنُ بِمُجَرَّدِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إكْرَاهٌ , انْتَهَى . فَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ أَقْوَاهَا سَنَدُ الْأَوَّلِ فَلِذَا أَفْتَيْت بِهِ , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .