فهرس الكتاب
عَنْ أَخْبَارِ الرِّجَالِ تَنْقِيرًا لَمْ يَبْلُغْ فِيهِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , فَقَالَ فِي كِتَابِهِ وَكُلُّ مَنْ زَاغَ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ مِمَّنْ رِينَ عَلَى قَلْبِهِ وَزُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ , وَقَدْ نَظَرْت طَوِيلًا فِي أَخْبَارِ الْفُقَهَاءِ وَقَرَأْت مَا صُنِّفَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ إلَى يَوْمِنَا هَذَا فَلَمْ أَرَ مَذْهَبًا مِنْ الْمَذَاهِبِ غَيْرَهُ أَسْلَمَ مِنْهُ وَأَنَّ فِيهِمْ الْجَهْمِيَّةَ وَالرَّافِضَةَ وَالْخَوَارِجَ وَالْمُرْجِئَةَ وَالشِّيعَةَ إلَّا مَذْهَبَ مَالِكٍ مَا سَمِعْت أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يَتَقَلَّدُ مَذْهَبَهُ قَالَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبِدَعِ فَالِاسْتِمْسَاكُ بِهِ نَجَاةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ا هـ . وَلِغَيْرِهِ عَنْ الْخَلِيفَةِ الْحَاكِمِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَنْ خَالَفَ مَذْهَبَ مَالِكٍ بِالْفَتْوَى وَبَلَغَنَا خَبَرُهُ أَنْزَلْنَا بِهِ مِنْ النَّكَالِ مَا يَسْتَحِقُّهُ وَجَعَلْنَاهُ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ فَقَدْ اخْتَبَرْت فَوَجَدْت مَذْهَبَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَفْضَلَ الْمَذَاهِبِ وَلَمْ أَرَ فِي أَصْحَابِهِ وَلَا فِيمَنْ تَقَلَّدَ بِمَذْهَبِهِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَلْيَسْتَمْسِكْ النَّاسُ بِهَذَا وَلْيُنْهَوْا أَشَدَّ النَّهْيِ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ فِي الْعَمَلِ بِمَذَاهِبِ جَمِيعِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ ا هـ . ثُمَّ لَا يَجُوزُ لِهَذَا الْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ إلَّا بِالنَّصِّ لَا بِالنَّظَرِ وَالْقِيَاسِ وَقَدْ جَاءَ مَنْ كَذَبَ عَلَى عَالِمٍ فَكَأَنَّمَا كَذَبَ عَلَى الرَّسُولِ وَمَنْ كَذَبَ عَلَى الرَّسُولِ فَكَأَنَّهُ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . وَفِي مَدْخَلِ ابْنِ طَلْحَةَ مَا نَصُّهُ"وَإِذَا رَجَعَ إلَى مُقَلِّدٍ رُجُوعَ اضْطِرَارٍ كَرَجُلٍ يَذْكُرُ الْمَسَائِلَ كَمَنْ يَحْفَظُ الْمُدَوَّنَةَ وَالْعُتْبِيَّةَ وَالْوَاضِحَةَ وَالْمَوَّازِيَّةَ وَمَا جَمَعَ مِنْهَا كَالنَّوَادِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنْ اسْتَفْتَى مِثْلَ هَذَا فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ حَتَّى تَنْزِلَ حَسْبَمَا هِيَ فِي دِيوَانٍ مِنْهَا فَيَكْتُبُ الْجَوَابَ عَنْهَا حَاكِيًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ حَرْفٍ وَلَا نُقْصَانِ حَرْفٍ لَا فِي بِسَاطٍ وَلَا عُرْفٍ فَيَكُونُ كَمَنْ يُخْرِجُ الْوَصِيَّةَ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ إلَى رَجُلٍ عِنْدَ الْبَابِ فَإِذَا زَادَ أَوْ نَقَصَ فَالْفَرْضُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ فَاتَهُ وَالِاجْتِهَادَ فَاتَهُ ا هـ . وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ إذَا لَمْ يَجِدْ مَسْأَلَةً بِعَيْنِهَا وَنَصِّهَا مَسْطُورَةً فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْعَقْلِ فِيهَا قِيَاسًا إلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ السُّطُورِ وَإِنْ اعْتَقَدَهُ مِنْ قَبِيلِ قِيَاسٍ لَا فَارِقَ لِأَنَّ الْقَاصِرَ مُعَرَّضٌ لَأَنْ يَعْتَقِدَ مَا لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَتِمُّ فِي حَقِّ مَنْ عَرَفَ مَوَارِدَ الشَّرْعِ , وَمَصَادِرَهُ ا هـ . وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ قَوَاعِدِ شِهَابِ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ رحمه الله تعالى مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَكْشِفُ الْغُمَّةَ وَيَشْفِي الْغَلِيلَ وَمِنْهَا وَمِمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمِ جَرَاءَةِ أَهْلِ هَذَا الْوَقْتِ عَلَى الْفَتْوَى وَتَحَامُلِهِمْ عَلَى الْمَذْهَبِ بِمَا تَأْبَاهُ الدِّيَانَةُ وَالتَّقْوَى عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُمْ مِنْ مُتَابَعَةِ الْهَوَى وَمَنَّ عَلَيْنَا وَإِيَّاكُمْ بِجَنَّةِ الْمَأْوَى . وَلْنَرْجِعْ بَعْدَ تَحْصِيلِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ الشَّافِيَةِ الْجَامِعَةِ الْكَافِيَةِ إلَى تَتَبُّعِ أَلْفَاظِ السُّؤَالِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْمَبَاحِثِ وَالْأَقْوَالِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ نَعْتَصِمُ مِنْ كُلِّ مَا يَصِمُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ فَهَلْ يَجُوزُ لِهَذَا الْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَ الْمَشْهُورِ فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ يُفْتِيَ بِهِ بِقَصْدِ التَّوْسِعَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مُسْتَنِدًا فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ } وَلَفْظُهُ عليه الصلاة والسلام { بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ } وَالْأَخْذُ بِالرُّخَصِ مَحْمُودٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُقَلِّدَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى الرَّاجِحِ أَوْ الْأَرْجَحِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ وَيَقْتَصِرَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ وَالْعَمَلِ وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْقَاضِي الْمُحَقِّقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ التُّونُسِيِّ رحمه الله تعالى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الشَّاذَّ وَيَعْمَلَ بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ الْقَوْلُ الشَّاذُّ قَدْ يَنْصُرُهُ الْفَقِيهُ وَيَخْتَارُهُ وَيُقَلِّدُهُ الْعَامِّيُّ انْتَهَى . وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَ رَجُلٌ قَوْلًا"