فَأَجَابَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ حُبَيْشِيٌّ بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِالرَّدِّ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي تَجْرِيحَهَا فَمَنَعَهُ الْحَاكِمُ السِّيَاسِيُّ مِنْ التَّجْرِيحِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مَانِحِ الصَّوَابِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ , حَيْثُ أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ الْمُعَامَلَةَ بِالْكُلِّيَّةِ وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالْإِنْكَارِ ثُمَّ بَعْدَ التَّحْقِيقِ ادَّعَى الرَّدَّ وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ فَلَا يُجَابُ لَهَا وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ بِإِنْكَارِهِ قَدْ أَكْذَبَ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ بِالرَّدِّ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ لِتَكْذِيبِهِ لَهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ . قُلْت لَفْظُ السُّؤَالِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَنْكَرَ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ أَنَّهُمْ قَيَّدُوا التَّفْرِقَةَ بَيْنَ إنْكَارِ الْمُعَامَلَةِ وَلَا حَقَّ لَك عَلَيَّ بِمِنْ يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِيهِمَا فَلَا يَنْبَغِي هَذَا التَّبَجُّحُ وَلَكِنْ إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي آخِرِ شَرْحِ قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ: وَإِنْ أَنْكَرَ مَطْلُوبُ الْمُعَامَلَةِ فَالْبَيِّنَةُ ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بِالْقَضَاءِ , بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ , وَمِثْلُ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ لَيْسَ لَك حَقٌّ أَوْ قِبَلِي وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أُمُورٌ اُنْظُرْهَا فِي الْكَبِيرِ ا هـ . قَالَ الْعَدَوِيُّ: مِنْ جُمْلَةِ الْأُمُورِ أَنَّ مَحِلَّ التَّفْرِقَةِ إذَا كَانَ الْقَائِلُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا أَمَّا مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ إنْكَارِ أَصْلِ الْمُعَامَلَةِ وَبَيْنَ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ فَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ ثُمَّ قَالَ إنْ عَلِمْت مَا ذُكِرَ وَعَلِمْت اتِّفَاقَهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ أَقُولُ إنَّ هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا بَدِيهِيَّةٌ لَا تَخْفَى فَإِذَنْ لَا وَجْهَ لِقَوْلِهِمْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ فَتَدَبَّرْ , وَقَدْ يُجَابُ بِمَنْعِ بَدَاهَتِهَا عِنْدَ الْعَوَّام وَبِأَنَّ الْإِشْكَالَ لَا يَرُدُّ الْإِتْقَانَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
# ( وَسُئِلَ شَيْخُنَا الْأَبْطَحِيُّ رحمه الله تعالى ) عَنْ رَجُلٍ بَاعَ لِآخَرَ قَدْرًا مَعْلُومًا مِنْ الْحُبُوبِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فِي ذِمَّتِهِ وَأَوْدَعَ عِنْدَهُ جَانِبًا مِنْ الْحُبُوبِ مَعْلُومًا أَيْضًا وَأَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً أَيْضًا ثُمَّ طَالَبَهُ بِالثَّمَنِ وَالْقَرْضِ الْوَدِيعَةِ فَجَحَدَهَا وَأَنْكَرَ الْمُعَامَلَةَ فَهَلْ إذَا شَهِدَ لِرَبِّ الدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ يُقْضَى لَهُ بِهِ وَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَعْضِ الْوَدِيعَةِ وَادَّعَى رَدَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الرَّدِّ وَإِذَا أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى الرَّدِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْوَدِيعَةِ خُصُومَةٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَفِيدُوا الْجَوَابَ ؟
( فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ ) الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ الْحُبُوبِ وَالْقَرْضِ وَمَا أَخَذَهُ مِنْ الْأَمَانَةِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ وَيُجْبَرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى دَفْعِهِ لَهُ وَلَا عِبْرَةَ بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَدَعْوَاهُ الدَّفْعَ لِمَا أَقَرَّ بِهِ وَلَا تَنْفَعُهُ الْبَيِّنَةُ الَّتِي يُشْهِدُهَا عَلَى قَضَاءِ مَا أَقَرَّ بِهِ لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا أَوَّلًا بِإِنْكَارِهِ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ وَلَا يُعْمَلُ بِشَهَادَتِهِمْ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَوْ كَانُوا عُدُولًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُنَاسِبَ إبْدَالُ قَوْلِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِإِقْرَارِهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَخْ بِمَا نَصُّهُ وَإِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْمُعَامَلَةِ ثُمَّ أَقَرَّ بِهَا وَادَّعَى الرَّدَّ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِدَعْوَاهُ الرَّدَّ بَعْدَهُ وَلَا تَنْفَعُهُ الْبَيِّنَةُ إلَخْ , وَقَوْلُهُ وَلَوْ كَانُوا عُدُولًا الْمُنَاسِبُ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا أَخْصَامًا لِلْمُدَّعِي وَلَا قَامَ بِهِمْ مَانِعٌ آخَرُ قَالَ الْعَدَوِيُّ فِي أَثْنَاءِ الْقَوْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي جَوَابِ الَّذِي تَلَاهُ هَذَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ وَقَوْلُهُ الْبَيِّنَةُ وَمِثْلُهَا إقْرَارُهُ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ بَعْدَ أَنْ أَنْكَرَهُ فَلَا يُفِيدُهُ بَيِّنَتُهُ وَسَوَاءٌ أَقَرَّ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَوْ قَبْلَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .