حَفِيدِهِ الْأَمِيرِ يَعْقُوبَ فَأَرَادَ حَمْلَ النَّاسِ عَلَى كُتُبِ ابْنِ حَزْمٍ فَعَارَضَهُ فُقَهَاءُ وَقْتِهِ وَفِيهِمْ أَبُو يَحْيَى بْنُ الْمَوَّاقِ وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالْحَدِيثِ وَالْمَسَائِلِ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ لَزِمَ دَارِهِ وَعَارَضَ وَأَكَبَّ عَلَى جَمْعِ الْمَسَائِلِ الْمُنْتَقَدَةِ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ حَتَّى أَتَمَّهَا وَكَانَ لَا يَغِيبُ عَنْهُ فَلَمَّا أَتَمَّهَا جَاءَ إلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَغَيْبَتِهِ وَكَانَ ذَا جَلَالَةٍ عِنْدَهُ وَمُبِرًّا لَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدُنَا قَدْ كُنْتُ فِي خِدْمَتِكُمْ لَمَّا سَمِعْتُكُمْ تَذْكُرُونَ حَمْلَ النَّاسِ عَلَى كُتُبِ ابْنِ حَزْمٍ وَفِيهَا أَشْيَاءُ أُعِيذُكُمْ بِاَللَّهِ مِنْ حَمْلِ النَّاسِ عَلَيْهَا وَأَخْرَجْتُ لَهُ دَفْتَرًا فَلَمَّا أَخَذَهُ الْأَمِيرُ جَعَلَ يَقْرَؤُهُ , وَيَقُولُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَحْمِلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَذَا وَأَثْنَى عَلَى ابْنِ الْمَوَّاقِ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ ثُمَّ سَكَتَ الْحَالُ بَعْدُ فِي الْفُرُوعِ وَظَهَرَتْ وَقَوِيَتْ , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَهِيَ إذَا أَخَذْت مَسْأَلَةً مَسْأَلَةً وَجَدْت كُلَّهَا رَاجِعَةً إلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْهَا خَارِجًا عَنْهَا ; لِأَنَّ وَاضِعَهَا وَمُسْتَنْبِطَهَا مِنْ خِيَارِ سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ وَعُدُولِهِمْ وَأَهْلِ التَّفَقُّهِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالشَّرْعِ فَهُمْ قَوْمٌ غُذُّوا بِالتَّقْوَى وَرُبُّوا بِالْهُدَى فَهُمْ أَنْوَارُ الدُّنْيَا وَرَيَاحِينُهَا وَبَرَكَاتُ الْأُمَّةِ وَمَيَامِينُهَا عُدُولُ كُلِّ خَلَفٍ وَأَئِمَّةُ كُلِّ سَلَفٍ سَادَةٌ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي اسْتِنْبَاطِهَا وَتَحْقِيقِهَا بَعْدَ تَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْ السُّنَنِ مِنْ السَّقِيمِ وَالنَّاسِخِ مِنْ الْمَنْسُوخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِهَا وَدَوَّنُوهَا كُتُبًا وَجَعَلُوهَا أَبْوَابًا مُهَذَّبَةً مُقَرَّبَةً وَكَفَوْا مَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ الْمُؤْنَةَ بِأَنْ تَرَكُوا الْأُصُولَ عَلَى أَصْلِهَا وَفَرَّعُوا عَلَيْهَا فُرُوعَهَا مِنْ الْفِقْهِ تَقْتَضِيهَا وَمَسَائِلَ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ وَتَقْرِيبًا عَلَى النَّاظِرِ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَحْسَنَ جَزَائِهِ كَمَا جَعَلَهُمْ وَرَثَةَ أَنْبِيَائِهِ وَحَفَظَةَ شَرْعِهِ وَجَعَلَنَا مِنْ الْمُتَّبِعِينَ لَهُمْ . وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي أَوَّلِ الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّ الْمُدَوَّنَةَ تَدُورُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ وَابْنُ الْقَاسِمِ الْمِصْرِيِّ الْوَلِيِّ الصَّالِحِ وَسَحْنُونٌ وَكُلُّهُمْ مَشْهُورُونَ بِالْإِمَامَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَنَحْوِهِ لِابْنِ الرَّقِيقِ وَالْمَدَارِكِ ا هـ كَلَامُ الْبُرْزُلِيِّ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَأَمَّا قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ فِي نِصْفِ يَوْمٍ فَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ وَفِطْرُ رَمَضَانَ فِيهِ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِهِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِلَا طَهَارَةٍ مَذْهَبٌ شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ وَعَارَضَهُ الْحُفَّاظُ بِمَا خَرَّجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ وَالْجَهْرُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْقَبْضُ وَالْقُنُوتُ جَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَتَأْخِيرُ الصُّبْحِ لِلْإِسْفَارِ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَؤُلَاءِ تَرَكُوا تَقْلِيدَ إمَامٍ مُعَيَّنٍ وَاتَّبَعُوا الْأَحَادِيثَ بِزَعْمِهِمْ فَتَارَةً وَافَقُوا بَعْضَ الْمَذَاهِبِ الصَّحِيحَةِ وَتَارَةً بَعْضَ الْمَذَاهِبِ الشَّاذَّةِ وَتَارَةً خَرَقُوا الْإِجْمَاعَ وَهَذَا شُؤْمُ الْخُرُوجِ عَنْ الْمَذَاهِبِ وَالِابْتِدَاعِ قَالَ الْعَارِفُ الشَّعْرَانِيُّ . فَإِنْ قُلْت فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمَحْجُوبِ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَيْنِ الْأُولَى التَّقَيُّدُ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ . فَالْجَوَابُ نَعَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِئَلَّا يَضِلَّ فِي نَفْسِهِ وَيُضِلَّ غَيْرَهُ انْتَهَى . وَتَقَدَّمَ عَنْ الْخَوَّاصِ أَيْضًا مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ . وَالْحِمَى عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ سُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ مَنَعَتْهُ الشَّرِيعَةُ الْحَنِيفِيَّةُ وَأَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ حُرْمَتُهُ مِنْ الدِّينِ ضَرُورِيَّةٌ فَإِنْ اسْتَحَلُّوهُ فَقَدْ خَرَجُوا عَنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ سَقْيُ السُّمِّ اسْتَوْجَبَ الْقِصَاصَ وَوَعِيدُهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْآيَةِ الْقُرْآنِيَّةِ وَنَفْيُ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ شَقَاءٌ مُؤَبَّدٌ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ مُطْلَقًا أَوْ مَعَ الْإِصْرَارِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ .