كتبنا الحديث من ستة وجوه وسبعة ولم نضبطه فكيف يضبطه من كتبه من وجه واحد، قال عبد الله بن أحمد قال لي أبو زرعة: أبوك-يعني أحمد-يحفظ ألف ألف حديث فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب اهـ
قال الذهبي: فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله، وكانوا يعدون في ذلك المكرر والأثر وفتوى التابعي وما فسّر ونحو ذلك، وإلا فالمتون المرفوعة القوية لا تبلغ عُشُر مِعشار ذلك).
وقال: فضيلة شيخنا العلامة محمد بو خبزة-: وتعقيب الذهبي هذا يحل إشكالًا طالما تردد على ألسنة من لم يفهم القصد. ومنهم من كان يعتقد وجود هذا العدد من الحديث، ولكنه إذا بُوحث وذكر له ما حرر من أعداد أحاديث الجوامع والمصنفات الكبار الذي لا يبلغ عشرين ألفًا تَحيَّر وارْتاب وتشكَّكَ، والواقع ما ذكره الحافظ الذهبي بإضافة فتاوى الصحابة والموقوفات والأسانيد المكررة المعبّر عنها بالوجوه فيقال: كتب هذا الحديث من كذا وكذا وجهًا. أي: سندًا وطريقًا ويعد كل وجه أو: سند أو: طريق مستقل حديثًا) [1] -.
-ويقول: أشتهي أن أقع على شيخ عنده بيت ملئ كتبًا، أكتب عنه وحدي ... وكان منهجه في هذا الجمع، ولهذا كان يقول: (إذا كتبت فقمّش. وإذا حدثت ففتِّش) [2] .- وهذا الذي يشتهيه ابن معين هو النهم والحرص على التحصيل، وهذا معنى قول ابن عباس-رضي الله عنهما-: (منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب
(1) -انظر: (نُقل النَّديم، وسُلوان الكظيم) (ص:6) ، لفضيلة شيخنا أبي أويس محمد بن الأمين بو خبزة الحسني. ومثله أيضًا في كتابه (حَفنة دُر) (ص:37/ 57) وله أيضًا في تعليقه على (جؤنة العطار) (2/ 18/45/ 47) لشيخه أحمد بن الصديق عند قوله عن الجعابي: (ونقل عنه أنه قال: أحفظ أربعة ألف حديث وأذاكر في ستمائة ألف) : (لا يوجد في الدنيا هذا العدد ولا نصفه ولا ربعه، وإنما مرادهم بهذه الأعداد الهائلة: الطرق والوجوه مع الموقوفات ونحوها) . وفي مقدمة أم الفضل لكتابي: (قناص الشوارد ... ) (ص:33) : (لعل هذا العدد يدخل فيه الآثار والموقوفات وفتاوى الصحابة ونحوها، لأن المرفوعات لا تبلغ هذا العدد-ألف ألف حديث-"مليون حديث") . انظر: (القناص) (ص:810/ 811/رقم:145) .
(2) -يقال: قمش القماش: جمعه من هنا ومن هنا، وهو ما على وجه الأرض من فتات الأشياء. (التاج) (4/ 340) ، والمراد هنا جمع الأحاديث من كل الطرق لدراستها بعد ذلك وتمييز الصحيح من غيره. انتهى من مقدمة أم الفضل لكتابي: (قناص الشوارد ... ) (ص:58) ، و (الإتحاف) (ص:267) .