وقيل ليحيى بن معين: الاختلاف الذي جاء عن يحيى بن أبي كثير، هو منه أو: من أصحابه؟ فقال: من أصحابه. قيل له: من أحبّ إليك في يحيى بن أبي كثير؟ قال الأوزاعي، وهشام الدستوائي. قيل له: فأبان بن يزيد؟ قال: وأبان بن يزيد، ليس به بأس ... ولذا كان يحيى بن معين يكتب الحديث نيّفًا وخمسين مرة ... قال عصام بن داود: سمعت يحيى بن معين يقول: وأي صاحب حديث، لا يكتب عن كذاب ألف حديث؟ -عنى بذلك النقاد من المحدثين-.
ورآه أحمد بن حنبل-بصنعاء-وهو يكتب صحيفة معمر، عن أبان، عن أنس، فإذا طلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان، عن أنس، وتعلم أنها موضوعة؟ فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان، ثم تكتب حديثه على الوجه؟ فقال: رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان بعده، فيجعل أبان ثابتًا، يرويها عن معمر عن ثابت لا عن أبان ...
وكان يقول: (كتبنا عن الكذابين، وسجّرنا به التنور، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا) ... وقد قدرت مكتبته بعد موته بثلاثين قمطرًا. وعشرين حبًّا. وطلب يحيى بن أكثم كتبه بمائتي دينار، فلم يدع أبو خيثمة أن تباع. وقيل: إن ماخلفه كان أربعة عشر ومائة قمطر مملوءة كتبًا ... ) [1] .
وكان يقول: (من لم يخطئ في الحديث، فهو كذاب) . و (من لم يكن سمحًا في الحديث كان كذابًا، قيل له: وكيف يكون سمحًا؟ قال: إذا شك في الحديث تركه) [2] ...
ويقول: (ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وأحببت أن أُزيّن أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبَيِّن له خطأه فيما بيني وبينه، فإن قبل ذلك، وإلا تركته ... ) [3] .
(1) -انظر: (تاريخ) ابن معين (1/ 54/55/ 56/57/ 61) .
(2) -قال أبو زرعة الدمشقي: (ذاكرت يحيى بن معين بالعراق بعض ما يختلف فيه من حديث الأوزاعي فقال: عندي حديث، حتى يجيء مثل هِقْل، فإني رأيت أبا مُسْهِر-عبد الأعلى-يقدمه على أصحاب الأوزاعي) (الوهم في روايات مختلفي الأمصار) (ص:124) .
(3) -وانظر: كم كتب من الأحاديث بيده، وماذا اشتهى عند ما كان يحتضر في مقدمة (تاريخه) (1/ 54/55) لتعلموا همم الرجال من أمثال ابن معين.