وهذا الصنيع يتفق مع الوصف بالصحة والحسن، أمَّا وصف الغرابة فقد كفانا الترمذي بيانه من خلال إطلاقاته التي أشار إليها في كتاب (العلل) ، حيث التفرُّد بزيادة في المتن أو: التفرُّد برواية الحديث من غير الطريق المشهورة المعروفة، وعلى ذلك فالأحاديث التي وصفها بالحسن والصحة والغرابة أحاديث مقبولة عنده، بل: هي صحيحة أُعلَّت بالغرابة، وهي علة غير قادحة، ويكون مراده-رحمه الله- أنَّها أحاديث مدار روايتها على التابعين محكوم بصحتها فيها تفرُّد إمَّا بزيادة في المتن، أو: روي الحديث من غير الطريق المشهور بها.
وهذا الفهم لمصطلحات الترمذي للحديث الحسن مطلقًا ومقيَّدًا يزيل كثيرًا مِمَّا استشكله علماء الحديث، ويجيب على كثير من الأسئلة والاعتراضات التي أوردها علماء الحديث على التأويلات التي حاول بعض أهل العلم حمل كلام الترمذي عليها.
وهنا يرد سؤالٌ: إذا كان مرادُ الترمذي ومن قبله من الحديث الحسن هو ما توَّصلت إليه هذه الدراسة، فما الموقف من اصطلاح المحدّثين بدءًا بالخطابي فسائر علماء الحديث الذين جعلوه قسيمًا للصحيح، وأحد أنواع الحديث المقبول، وهو يعد المرحلة الأخيرة من تطور معنى هذا الاصطلاح، حيث يشترك مع استخدام الترمذي في قبول الخبر واعتباره مِمَّا يُحتجُّ به، مع حصر مدار رواته في بعض طبقات التابعين وأتباعهم، على اختلافها؟ هذا لدى الترمذي ومَن سبقه، أمَّا المتأخرون من لدن الخطابي فمن جاء بعده، فإضافة إلى قبوله جعلوه فيمن كانت روايته دون درجة الصحَّة من حيث الضبط، ومن انجبرت روايته بالاعتبار والشاهد بعد ردّها.
وثمَّة نقطة جديرة بالذّكر، وهي أنَّ ما قام به العلماء والنُّقَّاد من دراسة للأحاديث الحسنة عند الترمذي وتصنيفها وفق تقسيماتهم إلى صحيحة، وحسنة، وضعيفة [1] ، وهو الذي يتوافق مع ما استقرَّ عليه مصطلح الحسن عند المتأخرين، وعليه فلا ينبغي أن يُطلق استخدام الترمذي في تصنيف الأحاديث من حيث التصحيح والتضعيف، ومناقشة الترمذي موافقة أو: مخالفة انطلاقًا من هذا الاصطلاح، لاختلاف المعايير في الإطلاق، ولا مشاحة في الاصطلاح، بل: يُعدُّ
(1) -وهم الشيخ أحمد شاكر فيما حقَّقه من الكتاب، والشيخ الألباني في تقسيماته كتاب الترمذي إلى صحيح وضعيف، وعلَّق به بشار عواد في تحقيقه للكتاب.