وجرير بن عبد الحميد: لغلقنا الباب [1] ، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجالون!! أفما لك عقل ياعقيلي؟! أتدري فيمن تتكلم؟! وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذبَّ عنهم، ولنُزَيّف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات؟! بل: أوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك. فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وإنما اشتهي أن تُعَرّفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يُتابع عليه؟
بل: الثقة الحافظ-إذا انفرد بأحاديث-كان أرفع له وأكمَل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيُعرف ذلك. فانظر إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكبار والصغار ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنة، أفيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه؟!
وكذلك التابعون كلُّ واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم. وما الغرض هذا، فإن هذا مقرر في علم الحديث على ما ينبغي، وإنّ تفرد الثقة المتقن يُعد صحيحًا غريبًا، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يُعد منكرًا، وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظًا أو: إسنادًا يُصَيّره متروكَ الحديث.
ثم ما كل من فيه بدعة، أو: له هفوة، أو ذنوب يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ .. ). وجاء في آخر كتاب: (الرفع والتكميل) [2] ما نصه: (فإنه لم يسلم من الخطأ أحد من الأئمة المشهود لهم بالحفظ والعلم والضبط والإتقان.
حتى قال الإمام يحيى بن معين: (لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، وإنما أعجب ممن يحدث فيصيب. إلى أن قال: من لا يخطئ في الحديث-أي: من زعم أنه لا يخطئ في الحديث-فهو كذاب) [3] .
(1) -قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) ، و (وفيات: 381/ 400/ص:324) ، و (السير) (7/ 40/ 41) : (ولو سمعنا كلام الأقران بعضهم في بعض لاتّسع الخرق) . (ذاكرة سجين مكافح) (1/ 98) . ولابن رجب بحث جيد في (جامع العلوم والحكم) (2/ 1087/ إلى:1119/ رقم: 2120/إلى: 2198) . في كلام الأقران تحت عنوان: (حكم قول العلماء بعضهم في بعض) لمن أراد أن يرجع إليه ففيه متعة وفائدة.
(2) -كما في: (ص563/ 564) .
(3) - كما في (تاريخ ابن معين) في الفقرة (52/ 2682) .