يعلم أنه كبير، بل: يجوز أن يكون صغيرًا، نحو الكذب الذي لا يُقطع أنه كبير، ونحو التطفيف بحبة، وسرقة باذنجانة، وغش المسلمين بما لا يقطع عندهم على أنه كبير من الذنوب، لأجل أن القاذورات وإن لم يُقطع على أنها كبائر يُستحق بها العقاب فقد اتفق على أن فاعلها غير مقبول الخبر والشهادة، إما لأنها متهمة لصاحبها، ومسقطة ومانعة من ثقته وأمانته، أو: لغير ذلك، فإن العادة الموضوعة على أن من احتملت أمانته سرقة بصلة، وتطفيف حبة، احتملت الكذب، وأخذ الرشاء على الشهادة، ووضع الكذب في الحديث والاكتساب به.
فيجب أن تكون هذه الذنوب في إسقاطها للخبر والشهادة بمثابة ما اتفق على أنه فسق يُستحق به العقاب، وجميع ما أضربنا عن ذكره مما لا يقطع قوم على أنه كبير، وقد اتفق على وجوب رد خبر فاعله [1] وشهادته، فهذا سبيله في أنه يجب كون الشاهد والمخبر سليمًا منه، والواجب عندنا ألا يرد الخبر ولا الشهادة إلا بعصيان قد اتفق على رد الخبر والشهادة به، وما يغلب به ظن الحاكم والعالم أن مقترفه غير عدل ولا مأمون عليه الكذب في الشهادة والخبر، ولو عمل العلماء والحكام على ألا يقبلوا خبرًا ولا شهادة إلا من مسلم بريء من كل ذنب قل أو: كثر، لم يمكن قبول شهادة أحد ولا خبره، لأن الله تعالى قد أخبر بوقوع الذنوب من كثير من أنبيائه ورسله، ولو لم يرد خبر فاعل ذلك وشهادته بحال، لوجب أن يُقبل خبر الكافر الفاسق وشهادتهما، وذلك خلاف الإجماع، فوجب القول في جميع صفة العدل بما ذكرنا [2] .
9 -وقال السبكي: (إنها هيئة راسخة في النفس تحمل على الصدق في القول في الرضا والغضب، ويُعرف ذلك باجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وملازمة المروءة، والاعتدال عند انبعاث الأعراض، حتى يملك نفسه عن اتباع
(1) -وقد جاء في كتاب (الجرح والتعديل) (ص:109/ إلى 166) لجمال الدين القاسمي الملحق الرابع: (مائة وأربعون رجلًا ممن اتهموا بالبدعة على أنواعها الأئمة مروي لهم عند الستة أو: غيرهم) . فاجع إليه-لزامًا-فإنهم مهم. وقد استخرجت جزءًا جيدًا من (السير) -عند ما كنت بالسجن المركزي بالقنيطرة-للذين اتهموا بالبدعة على أنواعها وقد أخرج لهم البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمسانيد والمعاجم وغيرهم.
(2) -انظر: (الكفاية) باب: الكلام في العدالة وأحكامها (ص:80/ 81) .