فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 154

والتجربة، والذي غدا يملك من الإمكانات العلمية والعملية"التكنولوجية"ما جعله يصل بالإنسان إلى سطح القمر، ويبعث بمراكز فضائية إلى الكواكب الأكثر بعدًا، وغدت نسبة احتمال الخطأ في تقديراته (1 - 100000) "واحدًا إلى مائة ألف"في الثانية. وأصبح من أسهل الأمور عليه أن يخبرنا عن ميلاد الهلال فلكيًا، وعن إمكان ظهوره في كل أفق بالدقيقة والثانية، لو أردنا.

وقد كنتُ ناديت منذ سنوات بأن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي - على الأقل - في النفي، لا في الإثبات، تقليلا للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام، وفي عيد الفطر، إلى حد يصل إلى ثلاثة أيام بين بعض البلاد الإسلامية وبعضها الآخر. ومعنى الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية وفقا لرأي الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية، وقال: إنها غير ممكنة، لأن الهلال لم يولد أصلا في أي مكان من العالم الإسلامي - كان الواجب ألّا تقبل شهادة الشهود بحال، لأن الواقع - الذي أثبته العلم الرياضي القطعي - يكذبهم، بل في هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلا، ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها، لمن يريد أن يدلي بشهادة عن رؤية الهلال.

هذا ما اقتنعت به وتحدثت عنه في فتاوى ودروس ومحاضرات وبرامج عدة، ثم شاء الله أن أجده مشروحا مفصلا لأحد كبار فقهاء الشافعية، وهو الإمام تقي الدين السبكي (ت 756 هـ) الذي قالوا عنه: إنه بلغ مرتبة الاجتهاد.

فقد ذكر السبكي في فتاواه أن الحساب إذا نفى إمكان الرؤية البصرية فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود، قال:"لأن الحساب قطعي، والشهادة والخبر طنيان، والظن لا يعارض القطع، فضلا عن أن يقدم عليه".

وذكر أن من شأن القاضي أن ينظر في شهادة الشاهد عنده، في أي قضية من القضايا، فإن رأى الحسّ أو العيان بكذبها، ردّها ولا كرامة، قال:"والبينة شرطها أن يكون ما شهدت ... حسا وعقلا وشرعا، فإذا فرض دلالة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت