وعلَّق البخاري عن ابن عباس وعكرمة قالا: الصوم مما دخل، وليس مما خرج.
وإيراد البخاري لهذه الآثار يدل على أن مذهبه عدم الفطر بالقيء مطلقًا.
وأما حديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاء فأفطر. فلا يدل على أن القيء مفطر بذاته، بل كما يقال: مرض فأفطر، أو أصابه جهد ومشقة فأفطر، أي أفطر بأن أكل أو شرب. هكذا فسره الطحاوي - رحمه الله -.
وإلا فإن لفظ (قاء) لا يدل على التعمد الذي هو المفطِّر عندهم. وإنما الذي يدل على التعمد هو (استقاء) .
والحقيقة أن التفطير بالقيء لا يتفق مع مقاصد الصيام.
وقد جاء في حديث مرفوع آخر ما يعارض هذا، وهو ما روي عنه عليه الصلاة والسلام:"ثلاث لا يفطرن: الحجامة والقيء والاحتلام" (1) .
وهنا حديث آخر، كان له أثره في توسيع دائرة المفطرات، وهو حديث لقيط بن صبرة أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء، فقال:"أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" (2) .
ويلاحظ على هذا الحديث:
أولاً: أنه لم يرد في الصحيحين ولا في أحدهما، مما يدل على أن رتبته دون ما اشترطاه في صحيحيهما.
وقد ذكر البخاري في صحيحه، باب قول النبي
(1) قال الحافظ في التلخيص: رواه الترمذي والبيهقي من حديث أبي سعيد، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، ورواه الدارقطني من حديث هشام بن سعد عن زيد، وهشام صدوق قد تكلموا في حفظه .. إلخ. انظر تلخيص الحبير (2/ 194) .
(2) رواه أبو داود في الطهارة برقم [142] ، وفي الصوم أيضًا، والترمذي في الصوم [788] وابن ماجه في الطهارة [407] ،والنسائي (1/ 66) في الطهارة ولم يذكر فيه الاستنشاق، وصححه ابن خزيمة [150] ، وابن حبان كما في الموارد [159] ، والحاكم في المستدرك (1/ 147 - 148) ووافقه الذهبي.