الإنسان بطبيعته عرضة للنسيان، حتى قال الشاعر:
وما سمي الإنسانُ إلا لِنَسْيِه ÷ وما القلب إلا أنه يتقلب!
ولقد وصف القرآن أبا البشر آدم بالنسيان، لأهم تكليف كلّف به وهو الامتناع عن الأكل من الشجرة، قال - تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115] ، ووصف فتى موسى به: {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} [الكهف: 63] .
ومن واقعية الشريعة الإسلامية ويسرها، أنها راعت هذا الجانب في الإنسان، فأعلنت رفع الإثم عن الناسي، ومثله المخطئ، المُكْرَه، لأن المسؤولية ثمرة القصد والإرادة، وهؤلاء لا إرادة لهم.
لهذا، جاء في الحديث: إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه (2) .
وفي القرآن الكريم: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] . وفي الصحيح: أن الله - تعالى - قال: قد قبلت، أي أجاب الدعاء.
وفي هذا الإطار، جاء الحكم النبوي بشأن الصائم الذي ينيى فيأكل أو يشرب وهو غير ذاكر لصومه، فلم يعتبر أكله ولا شربه في حال النسيان قاطعا لصومه، بل هو رزقٌ ساقه الله إليه، وصومه صحيح.
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من أكل وشرب ناسيا فليتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه. وفي لفظ: إذا أكل الصائم ناسيا، أو شرب ناسيا، فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه (3) . وفي لفظ: من أفطر يوما من رمضان ناسيا، فلا
(1) قال ناسخ الكتاب للشاملة:"ورأيي أن يلحق هذا الموضوع (من أكل أو شرب ناسيا) بكامله تحت موضوع: (الصيام والعقل) ، والله أعلم."
(2) رواه الجماعة عن أبي هريرة.
(3) رواه الدارقطني في سننه، وقال: إسناد صحيح، رواته كلهم ثقات.