الصوم، ويلحق به مشقة شديدة، ومثله المرأة العجوز التي أضعفها الكبر، فحكمهما واحد بالإجماع. ويلحق بهما: من اُبْتُلِي بمرض مزمن، إذا لحقتْه بالصوم مشقة ظاهرة، وهو الذي لا يُرجَى بُرؤُه من مرضه، والشفاء منه، وفقا لسنة الله الجارية على الأسباب والمسببات، وإن كانت القدرة الإلهية لا يعجزها شيء. فهؤلاء لا صوم عليهم بلا خلاف. وقد نقل الإجماع على ذلك: الإمامُ ابن المنذر.
"ولا يشترط في إباحة الفطر لهؤلاء أن ينتهي أحدهم إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم، بل الشرط أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها" (1) .
والدليل على إباحة الفطر لهم: قوله - تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وقال في آية الصيام: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .
ثم إن هؤلاء نوع من المرضى، فالشيخوخة مرض، وقد جاء في الحديث:"ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء إلا الهرم"، والأصل في الاستثناء أن يكون متصلا، والمريض الذي لا يُرجَى بُرؤُه مريض على كل حال. إنما فارقا المريض العادي بأنهما لا يستطيعان القضاء، لأن الشيخ لا يعود شابا حتى يمكنه أن يقضي، وذا المرض المزمن لن يجد فرصة للقضاء ما دام مرضه ملازما له على الدوام، وإنما عليهما الفدية: طعام مسكين.
روى البخاري عن عطاء: إنه سمع ابن عباس يقرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] ، قال ابن عباس:"ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان عن كل يوم مسكينا".
ورَوَى عنه عبدُ الرزّاق أنه كان يقرؤها: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ} أي: يكلفونه ويتجشمونه بمشقة، وقد قرأتْ بها عائشةُ وغيرُها من السلف" (2) ."
وجاءت عنه - أي: عن ابن عباس - روايات أخرى تفيد أن الآية منسوخة، ولكن حكمها باقٍ بالنسبة للكبير الفاني.
(1) انظر: المجموع (6/ 257، 258) .
(2) المصنف لعبد الرزاق (4/ 220 - 224) بتحقيق المحدث حبيب الرحمن الأعظمي.