وإذا كان غير البالغ ليس مُكلفًا بالصوم، فغير العاقل من باب أولى، لأن خطاب الشارع إنما هو موجه إلى العقلاء، وقد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق. فمن كان من ذوي الجنون المطبق، فلا يتوجه إليه تكليف، لا بأمر ولا بنهى، ولا بعبادة، ولا بمعاملة، فقد رفع عنه القلم.
ومن كان جنونه متقطعًا، فهو مكلف في المدة التي يعود إليه فيها عقله فقط.
وألحق بعض الفقهاء به من يعتريه إغماء أو غيبوبة مرضية، يفقد فيها وعيه مدة تقصر أو تطول، فهو خلال غيبوبته غير مكلف بصلاة ولا صيام.
فإذا أفاق بعد أيام من إغمائه وغيبوبته، فليس عليه أن يقضي تلك الأيام الماضية، لأنه كان فيها غير أهل للتكليف.
وبعضهم رأى أن عليه قضاء ما فاته أثناء الإغماء، أو الغيبوبة، معللاً ذلك بأن الإغماء مرض، وهو مُغَطٍّ للعقل غير رافع للتكليف، ولا تطول مدته، ولا تثبت الولاية على صاحبه، ويدخل على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - (1) .
ورأيي أن هذا مسلَّم في الإغماء القصير الذي يستغرق يوما أو يومين، أو نحو ذلك، أما الغيبوبة الطويلة التي عرفها الناس في عصرنا، والتي قد تمتد إلى شهر أو أشهر أو سنين! وخصوصًا مع أجهزة الإنعاش الصناعي، فهذه أشبه بحالة الجنون، الرافع للتكليف في حالة وجوده، وتكليف مغيَّب الوعي هنا بالقضاء فيه حرج عليه، وما جعل الله في الدين من حرج.
وقد تعرض لذلك العلامة ابن رشد في (بداية المجتهد) فقال: (وفقهاء الأمصار على وجوبه - أي: القضاء - على المُغمَى عليه. واختلفوا في المجنون، ومذهب مالك: وجوب القضاء عليه، وفيه ضعف لقوله - عليه الصلاة والسلام:
(1) انظر: المبدع من شرح المقنع من كتب الحنابلة (3/ 18) ؛ والمجموع شرح المهذب من كتب الشافعية (6/ 254) .