قال ابن حزم:"ويوم عاشوراء هو كان الفرض حينئذ صيامه .. فكان هذا حكم صوم الفرض .. وإنما نزل هذا الحكم فيمن لم يعلم بوجوب الصوم عليه (من ناسٍ أو جاهل أو نائم) ، فحكمهم كلهم هو الحكم الذي جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من استدراك النية في اليوم المذكور، متى علموا بوجوب صومه عليهم، وسمى - عليه السلام - مَن فعل ذلك صائما، وجعل فعله صوما، وبالله التوفيق" (1) .
وينبغي أن أؤكد هنا حقائق ثلاثا، ينبغي ألا يختلف عليها:
الأولى: أن في هذا الأمر - أعني ما يتعلق بإثبات دخول الشهر - سعة ومرونة بالنظر إلى نصوص الشرع، وأحكامه، واختلاف العلماء في هذا المقام توسعة ورحمة للأمة.
فمن أثبت دخول الشهر بعدل أو عدلين، أو اشترط جما غفيرًا لم يبعد عما قال به بعض فقهاء الأمة المعتبرين.
بل من قال بالحساب وجد له في السلف قائلا، منذ عهد التابعين فمن بعدهم.
ومن اعتبر اختلاف المطالع، ومن لم يعتبرها له سلفه، وله دليله ووجهته.
فلا يجوز أن ينكر على من أخذ بأحد هذه المذاهب والاجتهادات، وإن رآها هو خطأ، إذ القاعدة: لا إنكار في المسائل الاجتهادية.
الثانية: أن الخطأ في مثل هذه الأمور مغتفر، فلو أخطأ الشاهد الذي شهد بأنه رأى هلال رمضان، أو شوال، وترتب عليه أن صام الناس يوما من شعبان أو أفطروا يوما من رمضان، فإن الله تعالى أهل لأن يغفر لهم خطأهم، وقد علمهم أن يدعوا فيقولوا: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] .
حتى لو أخطأوا في هلال ذي الحجة، ووقفوا بعرفة يوم الثامن أو العاشر، في
(1) انظر: المحلى (6/ 461 - 463) مطبعة الإمام، المسألة 729.