فهرس الكتاب
البدنية، والعصبية. ولم يجعل ذلك رخصة، مبالغة في الحرص على صحتهما الجسمية والنفسية، والله أعلم. فإذا صامت الحائض أو النفساء، فقد ارتكبت حراما، ولم يجزها الصوم، وعليها القضاء ولا بد.
ومِن حكمة الشارع ورحمته أنه أوجب عليهما قضاء الصوم، ولم يوجب قضاء الصلاة، وقد سئلتْ عن ذلك عائشةُ فقالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (1) .
وقولها:"كنا نؤمر"أي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرمنا بذلك، إذ هو صاحب الأمر عند الإطلاق، وكلامها إنما هو عن الحيض، والنفاس في معناه، فقيس عليه بالإجماع.
والحكمة في قضاء الصوم دون الصلاة أن الصلاة تتكرر، فشق قضاؤها مشقة تفضي إلى الحرج، بخلاف الصوم، فهو في كل عام مرة، وإذا طهرت في أثناء النهار، بمعنى انقطاع الدم عنها، يستحب لها إمساك بقيته، ولا يلزمها ذلك، وذهب بعض العلماء إلى وجوب الإمساك عليها، والأول هو الصحيح.
وقد اختلف العلماء في تحديد أدنى مدة الحيض، ما بين ثلاثة أيام عند الحنفية، ويوم وليلة عند الشافعية والحنابلة، ودفعة من الدم عند المالكية، كما اختلفوا في تحديد أكثره ما بين عشرة أيام وخمسة عشر يوما.
والحق أن لا يوجد نص صحيح من قرآن أو سنة على ذلك، والمرجع فيه هو المشاهدة والتجربة، والوجود الفعلي، ويمكن استشارة الأطباء المختصِّين في ذلك، فهم أهل الذكر والخبرة: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] .
والمعروف أن الحيض يختلف من امرأة إلى أخرى، ومدار الحكم على وجود دم الحيض بأوصافه وخصائصه وعلاماته التي تعرفها المرأة (2) .
(1) رواه مسلم.
(2) في الصحيح: إن دم الحيض أسودٌ يعرف.