والبداء (1) والمنكر من الكلام إلا وجّهوها إليه، وما هذا بالانتقاد، وإنما هو التّشَفِّي والتقريع (2) . وذلك لُؤْمٌ وَخِسَّةُ طبع يتجافى (3) عنهما أولو المروءة.
إن الغاية من الانتقاد صرفُ المنتقَد عليه عما هو فيه من جهل أو خطأ. فالتسرّع في الانتقاد، وتركُ الرِّفق فيه، داعيان لتعصّبه لما هو فيه، وإن وضح له الأمر أيّما وضوح. وقد ورد: «مَنْ أَمَرَ بِمَعْرُوْفٍ فَلْيَكُنْ أَمْرُهُ بِمَعْرُوْفٍ» . فالنقدُ يجب أن يكون بالتي هي أحسن، ليكون مِن ورائه نَجَاحُ القصد وفلاح السعي: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (4) . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34 - 35] .
لا تغرّنّكم، معشر الناشئين، أقوالُ المحبِّذين (5) ، ولا كلمات المقرّظين، فكثيرا ما يقولون غير الحق طمعا في اكتساب قلوب المقرّظين أو في دريهمات تسقط من أيديهم عليهم.
وإياكم أن تسلكوا هذا الطريق، فهو يؤدي إلى الكذب، وما أقبحَ ذنبَ الكاذبين! وتمسكوا بأذيال مَن ينتقد عليكم أعمالكم، ويبين خطأكم، ترشدوا إلى أقوم سبيل.
وإن رأيتم من غيركم ما ينتقد، فسددوا خطواته (6) ، وانصحوا له بالإيقلاع عن زلّاته (7) ، بالكلم الطيب، والمعروف من القول.
وإياكم أن تستعملوا خشونةَ الكلام، فإنها أَوْخَزُ (8) من السهام، وأشدّ من وقع الحُسام (9) ، وهي مَضْيَعَةٌ للفائدة، مُنَفِّرةٌ للقلوب.
(1) البذاء: التكلم بفحش القول.
(2) التشفي: الانتقام - والتقريع: التعنيف والإغلاظ.
(3) يتجافى: يترفع ويتنحى.
(4) الولي: الناصر، والصديق، والمحب - والحميم: الصديق كل الصديق.
(5) المحبذ: من يقول لك: حبذا ما تفعل، بمدح عملك.
(6) سددوا خطواته: أرشدوه إلى السداد والاستقامة.
(7) الإقلاع: الابتعاد والترك - والزلات: الخطيئات.
(8) أوخز: أشد وخزا، والوخز: الطعن، بالرمح والإبرة ونحوهما - والسهام: النبال.
(9) وقع الحسام: شدة ضربته - والحسام: السيف القاطع.