الصفحة 111 من 137

ومعنى التعصب للدين: القيام بفروضه، وانتهاج سننه (1) ، واتباع أوامره، واجتناب نواهيه، والتخلق بالأخلاق الجميلة التي يحفز (2) التديُّنَ الهممَ إليها.

وليس معناه أن تكره غيرك، ممن ليس على دينك، وتنصب الحبائلَ (3) للضرر به، وتبذل الجهدَ لتُلحق به الأذى والمكروه. فإن هذا ليس من التعصّب للدين في شيء. وإنما هو تعصب للوحشية على المدنية، وضربٌ من ضروب الهمجية، لأن كرهَ المخالف في الدين، وإلحاقَ الأذى به، عملُ مَن لم يعرف من الدين إلا الانتساب إليه. فالدينُ وهذا العمل على طرفي نقيض (4) .

أما ما يفعله بعض من لا خلاق لهم (5) ، ممن لبسوا الدين مقلوبا، فهؤلاء ليسوا في العير ولا في النفير (6) . وما هم بحجة على الدين، بل لله الحجة البالغة (7) ، وليس في دين الله شيء مما يزعمون.

إن من يدّعون التعصّب للدين، أكثرهم لا يعقلون، ولا يعرفون منه إلا أن آباءهم كانوا به يدينون، فهم في ظاهر الأمر متديّنون، وما هم في الحقيقة إلا مقلدون، يلوكون من الكلام ما لا يفهمون، وينتسبون إلى ما لا يفقهون (8) ، ويبغضون من لا يدين بدينهم ويكرهون، معتقدين أنهم بمثل هذا ينجون، وإلى الله يتقربون، ألا ساء ما يزرون (9) ، وقَبُحَ ما يفعلون.

وهناك طائفة ليست من العامة الجاهلة، ولا من الخاصة الراقية، تزعم

(1) الانتهاج: السلوك - والسنن: جمع سنة، وهي الطريق والسنة في الدين: ما كانت دون الفرائض.

(2) يحقر: يدفع ويسوق.

(3) الحبائل: المكائد، وأصل معناها: المصايد.

(4) على طرفي نقيض: أي هما متخالفان.

(5) الخلاق: النصيب الوافر من الخير.

(6) ليسوا في العير ولا النفير: أي ليسوا ممن يعبأ بهم.

(7) الحجة البالغة: الدليل الذي يحمل على الخضوع.

(8) يفقهون: يعلمون ويفهمون.

(9) يزرون: يحملون، والمراد ما يحملون من أثقال هذه الأعمال المخالفة للدين، والماضي وَزَرَ، والوزر - بالكسر: الحمل الثقيل، والذنب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت