الصفحة 112 من 137

التعصُّبَ للدين، وهي لا تقوم بشعائره (1) ، ولا تتمسك بسننه وفرائضه، وتدعو الناسَ باسمه، وربما كانت جعبَةُ عقيدتها (2) أفرغ من جوف الطبل.

وما التعصب للدين - كما أسلفنا - إلا التخلقُ بأخلاقه، والقيام بما يأمر به، والبُعْدُ عما ينهى عنه. فهم يَغُرُّونَ العامة، لِيُغَرِّروا بعقولها (3) . وهذه الطائفة أيضا ليست حجةً على الدين، لأنها تدعو باسمه رجاءَ المنفعة الخاصة، وتُنَفِّر السُّذَّج ممن لا يدبن بدينهم، بغيةَ السيطرة على عقولهم، وأملا بالسلطة على أرواحهم، والله بريء منها ومن أعمالها.

وتعصّبك لجنسك ولغتك، يجعلك مرهوبَ البأس (4) عند غيرك، رفيعَ المنزلة لديه. واحتقارك إياهما يَدَعُكَ مسخورا بك (5) عند من لا تجمعك وإياه لغة، ولا تضمّكما جنسية. وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى برهان.

وكما أن تفسير التعصب للدين على غير وجهه أمرٌ مذموم - كما علمت - فكذلك تفسيره، في مقام الجنسية واللغة - باحتقار لغات الناس وجنسياتهم، وإلحاق الأذى والمكروه بهم - أمرٌ لا يتفق مع التعصب المحمود، ولا يجري مع الحق في ميدان. فعليك أيها الناشئ، أن تحترم لغةَ غيرك وقوميته، كما تحب منه أن يحترم منك ذلك.

وتعصّبك لما تراه حقا - من المذاهب السياسية والاجتماعية - ومناضلتك عنه (6) ، أمر يدعو إليه الواجب، ويطلبُه منك الوجدانُ. فناضلْ عن ذلك بالبرهان الساطع (7) والدليل القاطع، والحجة القامعة (8) ، والمجادلة النافعة،

(1) شعائر الدين: أعماله التي تقرب إلى الله، والمفرد: شعيرة. والشعيرة أيضا: العلامة.

(2) حعبة عقيدتها: وعاؤها. والجعبة في الأصل وعاء السهام.

(3) غرر به، عرضه للهلكة.

(4) مرهوب: مخوف - والبأس: الشدة، والشجاعة، والقوة.

(5) مسخورا بك: مستهزأ بك.

(6) المناضلة: المدافعة والمحاماة.

(7) البرهان: الدليل والحجة - والساطع: اللامع. وأصل معنى السطوع: الارتفاع والانتشار.

(8) القامعة: القاهرة المذلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت