الصفحة 115 من 137

أو لم تدركْ فسادَ صُنْعه، كانت عاقبةُ أمرك الحسران، ونهاية مصلحتك الخراب، ولا يرضى بذلك إلا من سَفِهَ نَفسَه.

الإنسان خايفة الله في الأرض، وإليه وَكَل (1) أمرَ عمرانِها وتجويدها.

فإن أحسن السيرَ في مناكبها (2) - فَدَبَّرَ شُؤُونَها، وعَمَرَ أقطارها، واستخرج خيراتها، وأثار كامن ثروتها (3) ، وسار في مناهج العدل فيها (4) ، ونشر العلمَ الصحيحَ بين سكانها، ولم يَحْدُ عن العمل بالأناظيم (5) التي سنها الخالق سبحانه - كان خليفته فيها حقا، وظل بيده زمام أعمالها.

وإن أساء السيرةَ، ولم يحسن القيامَ على ما استودع، حَلَّ به ما حَلَّ بغيره، فصار ذليلا بعد العِزّ، وَضِيْعًا بعد الرفعة، محكوما بعد أن كان حاكما، فقيرا بعد أن كان غنيًّا، وأورث الله ما كان بيده غيرَه، ونَزَعَ عنه لباسَ الإمارة، وألبسه من اختاره لها. وإلى ذلك الإشارةُ بقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ (6) مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105] ، والمراد بالصالحين في هذا المقام مَن كانوا صالحين لعمارتها، وتجويد أعمالها، وتحسين سكَانها: بنشر العلم، وبسط لواء العدل، والاحتياط لدفع العدوّ، والأخذ بيد الأعمال النافعة؛ كالزراعة، والصناعة، والتجارة. وليس المراد بهم من يطيلون الركوع والسجود، وهم عن اتخاذ الأسباب لوراثة الأرض هجود (7) .

فهذا أمر روحي محضٌ (8) ، تعود منفعته في الآخرة على القائم به وحده، وذلك أمر مادي لا يكون إلا بالوسائل التي هدى الله إليها، والأسباب التي من رعاها (9) حق رعايتها كان بيده زمامُ الأمر والنهي.

(1) وكل: سلم.

(2) مناكب الأرض: نواحيها وجوانبها وطرفها.

(3) أثار: استخرج وأظهر. وأصل معنى الإثارة: التهييج والتحريك - والكامن: المختبئ.

(4) المناهج: جمع منهج، وهو الطريق الواضح.

(5) الأناظيم: جمع نظام.

(6) الزبور: الكتاب المنزل على نبي الله داود - عليه السلام -. والزبور في اللغة: الكتاب.

(7) هجود: نائمون. والمفرد: هاجد.

(8) المحض: الخالص الذي لم يخالطه غيره.

(9) رعاها: حفظها وتعهدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت