وسلكوا غيرَ سبيلها. وإن الله يُمْهل ولا يهمل، حتى إذا لم يبق في قوس الرجاء مِنْزَعٌ (1) ، أخذ الفاسقَ عن سنته أخْذَ عزيزٍ مقتدر، وأورده مواردَ ما كسبته يداه.
تلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
ما من قوم عُهِد إليهم في أمر، فلم يحسنوا في سياسته، ولم يَرْعَوُوه حقّ رعايته (2) إلا انتزعه منهم من عَهِد إليهم فيه ووسّده إلى غيرهم ممن يراه صالحا له، فإن أبقاه في يد من أساء التصرف فيه، فانتظر ساعة خرابه.
التوفيقُ في الأعمال أن تُوَسَّد إلى صالح أهلها. فإن يُعْهَد في العلم إلى الجهال، عَمَّ الجهلُ، وساد أهلُه، فساء بذلك المصيرُ.
وإن تُسْند الصناعاتُ إلى من لا يحسنها، كانت عاقبةُ ذلك الخسرانَ وفسادَ الأعمال.
وإن ألقيت إلى الفساق، أو الجهلة في الدين، مقاليدُ (3) الوعظ والإرشاد، ومُنِحوا مناصب التدريس، وأُقْعِدوا على منصّات الأعمال الدينية (4) ، ضللوا الناسَ، وسلكوا بهم غيرَ سبيل الهدى. وفي ذلك ما فيه من إضعافِ الدين في نفوس العامة، وتشويه محاسنه في عيون الغريب عنه.
ومتى وُسِّدت أعمال الدولة إلى الأغرار (5) - الذين لا يعرفون منها إلا أسماءها - أو إلى الذين لا يرقبون في مصالحها إلًّا (6) وَلَا ذِمَّةً - بل يعملون ليلَ نهارَ على ما يُضْعِف بأسَها، لِيُتْرِعُوا حقائبَهم (7) ، ويُشْبعوا بُطُوْنَهم، وإن كان في ذلك الخراب - فانتظر الساعة، وارتقبْ قيامة الدولة (8) . وإلى كل ذلك الإشارةُ في الحديث: «اِسْتَعِيْنُوا عَلَى عَمَلٍ بِصَالِحِ أَهْلِهِ» فإن اسْتَعَنَّا على الأمر بالصالح
(1) لم يبق في قوس الرجاء مَنْزَع: لم يبق أمل ولا رجاء - والمنزع - بكسر الميم: السهم.
(2) لم يرعَوُوه: لم يحفظوه ولم يتعهدوه.
(3) المقاليد: المفاتيح، والمفرد: مقلاد.
(4) المنصّات: جمع منصّة - بفتح الميم وكسرها - وهي الكرسي. وأصلها الكرسي ترفع عليه العروس في جلائها لترى من بين النساء.
(5) الأغرار: جمع غر، وهو من لم يجرب الأمور.
(6) الإلّ: العهد.
(7) الحقائب: جمع حقيبة، وهي خريطة يعلقها المسافر في الرحل لزادٍ ونحوه.
(8) ارتقب: انتظر.