الصفحة 127 من 137

عن موارد قلوبهم، ليتكوّن منهم مجموعٌ فاضل، تنهضُ به الأمة، ويستدّ به ساعد الوطن (1) ، ويشتدّ رُكنُه.

فإن أَهمل الرجلُ ما وجب عليه، أو جاوزت المرأةُ ما خلقتْ له، أو قَصَّرت عنه، فَسَدَ نظام الأسرة (2) ، وتَثَلَّم رُكنُ الحياة البيتيّة (3) ، فكان من جرّاء ذلك (4) الفَتُّ في عضُد الأمة والكسرُ في ساعد الوطن (5) . لأن صلاح الأمة، ونهوض الوطن، متوقِّفان على صلح الأسر.

ولا ريب أن سعادة النشء - وهم عماد الأمة - أكثرُ ما تكون بالمرأة، فهي، إن شاءت أفسدتْ أخلاقَهم، وإن شاءت أصلحتْها، لأن بيدها زمام تربيتهم وتهذيبهم. لذلك، وجب أن تكون المرأةُ مُحتَرَمةَ الجانب، رفيعةَ المنزلة، متعلمةً، متربيةً، متخلقةً بالأخلاق الجميلة، صالحةً لإدارة المنزل، عالمةً بما وجب عليها نحوَ العالَم الصغير - ألا وهو البيتُ -.

وبعد، فإن جماهير نساء الشرق اليومَ (6) وقبلَ بضع مئاتٍ من السنين (7) ، قد أُهملت كالسوائم (8) . فقد ظنّ الرجال أن المرأة آلةٌ في أيديهم، يديرونها كيف شاؤوا، زاعمين أنها لم تُخْلَق إلا لتكون أسيرا أو مملوكة، واهتضموا ما لها من الحقوق الشرعية والطبيعية، وحرموها التعليمَ والتربيةَ، فساءت بذلك الحياة البيتيّة، وفسدت الأسرةُ، وانحطّت الجماعاتُ بانحطاط الأفراد.

(1) يستدّ: يكون سديدا قويما.

(2) الأسرة: رهط الرجل وأهله، سموا بالأسرة - وهي الدرع الحصينة - لأنه يتقوَى بهم، وجمعها: أُسَر.

(3) تثلم: تشقق.

(4) من جراء ذلك: من أجل ذلك.

(5) الفتّ في العضد والكسر في الساعد: كناية عن إضعاف القوة وتفريق الأعوان.

(6) الجماهير: جمع جمهور، وهو معظم الشيء وأكثريّته. وأصل معناه: الرمل الكثير المتراكم الواسع.

(7) البضع: ما بين الثلاث إلى التسع. فإن قلت: جاءني بضعة رجال، جاز أن يكون الجاؤون ثلاثة أو تسعة أو ما بينهما. وهي تذكر مع المعدود المؤنث، وتؤنث مع المعدود المذكر، كما هو الشأن في العدد من الثلاثة إلى التسعة.

(8) السوائم: الإبل التي لا تعلف في مكان مبيتها، وإنما تترك ترعى مما تنبته الأرض من المرعى المباح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت