الصفحة 58 من 137

عينَ الآخر، فهما شقيقان، أبوهما الحقُّ، وأمُّهما الحقيقة.

ما أسعدَ الناسَ إلا الدِّينُ، وما أشقاهم ألا ترْكُهُ، أو التمسكُ بقشوره وإهمال لُبابه.

الدِّين سيف ذو حدين، فإن أحسن المنتسب إليه استعماله كان عونا في الشدائد، ومرشدًا في الفلوات (1) ، ومصباحًا في الظّلمات، وإن أساء انتضاءه (2) ضرَّ به وبغيره. وإنَّ ما نراه من شقاء كثير من المتدّينين، إن هو ناشئ إلاّ من جهلهم بالدِّين، وبُعدهم عن جوهره النقي، الخالي من الشوائب (3) ، المنزّه عما دسَّه فيه الدّسّاسون (4) .

وعن أعمال من لا يعرفون منه إلاّ الاسمَ وبعضَ الأعمال الظّاهرة، وعن أغراض الذين اتخذوه ملعبا لأهوائهم، ومركبا لسافل مقاصدهم.

الدّين اليوم شبَحٌ لا روح له، وألفاظ أضاع الناسُ معناها، وقد اتخذه المتلبّسون به حبالةً (5) لاصطياد عقول العامّة، ووسيلةً لتعظيمها إياهم، وإتراعِ حقائبهم من أموالها (6) . وهم ليسوا من الدِّين في شيء، بل هناك جهل مطبق، وأخلاق وضيعة، ونفوس ضعيفة، ونفور من صالح الأعمال، وبُعد عن هدف الحقيقة (7) . وأكثرهم عبدة أوهام، وسدنة تقاليد (8) ، وأُجَراء أهواء.

إنَّ العامَّة غير ملومة إن اعتقدت ما لا أصل له في الدِّين، إنمّا الملوم أولئك الذين يسمُّون أنفسَهم خاصَّة، وهم يدسُّون في نفوس العامَّة ما لا يتفق مع الشرع، وينشرون فيهم من الإفك (9) ما يسمِّمون به العقول، ويوسع مسافة الخُلف بين أبناء الوطن الواحد.

(1) الفلوات: جمع فلاة، وهي الصحراء الواسعة

(2) انتضاء السيف: تجريده من قِرابه.

(3) الشوائب: العيوب، والأدناس، والأخلاط.

(4) دسّه: أدخله.

(5) الحبالة: شبكة الصياد.

(6) الإتراع: الإملاء - والحقائب: جمع حقيبة، وهي خريطة يعلقها المسافر في الرحل للزاد ونحوه.

(7) الهدف: الغرض الذي يوضع ليرمى إليه.

(8) السدنة: جمع سادن، وهو خادم الصنم.

(9) الإفك: أشد الكذب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت