مشاربها: من علمية وأدبية ودينية وصناعية وخيريّة وسياسية، على شرط أن تُطابق أنظمتها (1) ما يَسُنُّهُ مجلسُ الأمة من القوانين الدستورية. لذلك وجب أن يكون رجالُ هذا المجلس ممن عُرِفوا بالحرية، والعلم، والصدق، وصحة الوجدان، والعقل، والرَوِيَّة، كيلا يَسُنُّوا للأمة ما يقيّد حريتها، وينافي مصلحتها.
والحرية الاقتصادية، هي حياة الأمة المادية. فإن لم تطلق لها حرية التجارة والزراعة وإنشاء المصانع واستخراج المعادن، للانتفاع بما تُكِنُّه الأرضُ (2) من موارد الرزق كانت حياتها كامرئ شُدَّ وَثَاقُه (3) ووُضِع الحبلُ في عُنقه، وقد مسك بطرفيه رجلان ذوا بأس شديد، فهما يُهَدِّدانه بالخَنق ويتوعّدانه بالموت، وهو يترقب (4) أن تفيض روحُه من ساعة إلى أخرى.
إن أوروبّة لم تقبض على ناصية الثروة (5) ، إلا بعد أن أطلقت الحرية الاقتصادية من قيودها، مع ما أطلقته من أنواع الحرية، ففي يدها اليومَ أرواحُ المشارقة، فإن شاءت قتلهم منعتْ عنهم أموالُها، وردّت إليها ما في بلادهم من ذَهَبها.
إن بلادنا غَنِيَّةٌ بتربتها ومعادنها، ولكنها فقيرة برجالها الأكفياء لإسعادها (6) والنهوض بها.
يأتي الأجنبيُّ بلادنا، فَيَبْتاع أرضَنا (7) ، وينتفع بخيراتها، أو ينال فيها"امتياز"، فيستثمر مواضع منها، ويستخرج ما في بطونها من أجِنَّة المعادن (8) ،
(1) الأنظمة: القوانين.
(2) تُكِنُّه: تخفيه وتستره.
(3) الوثاق - بفتح الواو: ما يشدّ به الأسير من حبل وقيد ونحوهما.
(4) يترقب: ينتظر.
(5) الناصية: مقدم الرأس.
(6) الأكفياء: من فيهم الكفاية، أي الأهلية، والمفرد: كفي. وأما الأكفاء فهم الأمثال، والمفرد: كفؤ بمعنى المثل والمماثل، وهو من الكفاءة بمعنى المماثلة. فبين الكفاية والكفاءة فرق، وأكثر الناس لا يفرقون بينهما - توهما أو خطأ.
(7) يبتاع: يشتري.
(8) الأجنة: جمع جنين، وهو المستور من كل شيء، ولذلك يسمى الولد ما دام في بطن أمه جنينا.