الصفحة 96 من 137

الجهدُ في استنباط الحِيَل ليختلس أموالك، أو لِيَطّلع على أسرارك، ثم يَفشِيَها بين الناس - فإنك لا تُقِيمُ على صداقته، ولا تركن لِخُلَّبِ صحبته (1) . وإن بقيتَ مُحْكِما حَبْلَ المودّة، فأنت غِرٌّ (2) جهولٌ، أو جبانٌ ضعيفُ الإرادة.

الغاشُّ في عمله يُمِيتُ ثِقَةَ الناس به، فلا يقبلون على تجارته، ولا يحفِلون بصناعته، ولا يأبهون لعملٍ من أعماله (3) .

المخادعُ والمرائي والمنافق والكاذب والطامع والخائن والأنانيّ، كل أولئك منفورٌ منه، مَنْئِيٌّ عنه (4) .

وما ذلك إلا لفقد الثقة به من النفوس.

فالمخادع يريد بك المكروهَ من حيث لا تعلم وهو يظهر لك الحبَّ وإرادةَ الخير، فمتى علمتَ بِخَتْلِه (5) وَمَكْرِه، نفرتَ منه، لضعف الثقة به.

والمرائي يريك خلافَ ما هو عليه. يكون فاسقا سافلا، فيريك أنه صالحٌ عَلِيٌّ، ويكون دنيئًا ساقطَ الهمة، فيريك أنه أمينٌ على ما يُسْتَوْدَعُه من مال. ويكون ويكون فيريك أنه على خلاف ما يكون. ومتى عرفتَ ما هو مُنْطَوٍ عليه من الأخلاق السافلة، لَفَظْتَه لفظَ النواة (6) ، لأنك لا تثق به.

والمنافق كالمرائي في أن كُلًّا منهما يبطن خلاف ما يظهر، إلا أن خُلُقُه أسفل، لأنه لا يكون قاصرا على المنافق والمنافَقِ له. فالمرائي يريك لِتَمِيل إليه، وتعتقد فيه الاستقامة.

والمنافق يستر اعتقاده الدِّيْنِيَّ، أو الاجتماعيَّ، أو السياسيَّ، ثم هو يصرِّحُ لأصحاب المذاهب المختلفة والمشارب المتباينة (7) ، أنه معهم، وأن عقيدته

(1) صحبة خلّب: غرارة لا فائدة منها، كما قالوا: برق خلّب، الذي لا مطر وراءه.

(2) الغر: من لم يجرّب الأمور.

(3) لا يحفلون: لا يعبؤون ولا يلتفتون، ومثله لا يأبهون.

(4) منئيّ عنه: مبعود عنه.

(5) الختل: الخداع والمكر.

(6) لفظته: طرحته - والنواة: بزرة التمر ونحوه.

(7) المتباينة: المختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت