كعقيدتهم، وربما كان لا يعتقد عقيدةَ أحد منهم. وقد يمي إلى مشرب، وهو يعلم أن أهله في الضلال المبين. فَيُطْرِي (1) أصولَه وفروعَه، ويجعل مُتَّبِعِيه في أعلى عِلِّيِّين (2) ، وما ذلك إلا لمنفعةٍ ماديّة تجعله مملوء الحقيبة (3) . ومتى عُرِف أحدٌ بالنفاق، طرحه الناسُ أرضًا، لفقدانهم ثقتَهم به.
والكاذب، إما أن يكذب لخوف مكروه، أو رجاء محبوب، وفي كلتا الحالتين يكون كذْبُهُ لطرح الثقة بقوله، وسببا لاعتقاد الكذبِ فيه، وإن كان صادقا.
والطامع يسعى أن ينال فوق ما يستحقّ، ويجتهد ليقتطع لنفسه حق غيره، فهو غيرُ مأمون على حق، ولا مركون إليه في أمر، ومن كان كذلك فأنّى للناس أن تثقَ به!
وأما الخائن فعدمُ الثقة به أمر واضح، وهو فيه آكد منه في غيره، وأدعى للنفرة منه لأن الخيانة هي مجموع الخداع والرياء والنفاق والكذب والطمع. هذه هي الخيانة الكبرى، وهي المرادة عند الإطلاق. وكل واحد من ذلك المجموع خيانةٌ، لأن من خادعك، أو راءاك، أو نافق لك، أو كذب عليك، أو طمع في حقك، فقد خانَك وأراك غير الحق.
والأنانيّ - وهو من لا يرى غير نفسه - يدعوه غُرُوْرُهُ (4) إلى التكلّم عن نفسه بأشياء لا تنطق على الواقع. وكل ذي غرور معروفٌ بالمبالغة والحيدان عن منهج الصواب (5) إذا قال عن نفسه شيئا، فهو لذلك يكون غيرَ موثوق به، ويكون كلامُه غير واقع موقع القبول.
إلا إن مدار الثقة على أفراد الأمة: فإن كان مبلغُهم من الصدق وشرف
(1) يطري أصولَه: يبالغ في مدحها. والإطراء: المبالغة في المدح أو الإتيان بأقصى ما عند المادح منه. يقال: أطرى فلانًا يطريه. وقد يقال: أطرأه يطرئه - بالهمزة - كما في لسان العرب والقاموس، لكنه نادر.
(2) أعلى عِلِّيين: أعلى المراتب، وعليّون في الأصل: اسم لأعلى الجنة.
(3) الحقيبة: خريطة يعلقها المسافر في الرحل للزاد وغيره.
(4) الغرور: أن يرى الإنسان في نفسه من الفضائل ما ليس فيها.
(5) الحيدان: الميل والعدول - المنهج: الطريق الواضح.