فهرس الكتاب
ومن وجوه إحسانه إليهم الّذي يخفى على أكثر الخلق حفظه عليهم قلوبهم وتصفيته لهم أقواتهم وأوقاتهم، فإن النعمة العظمى نعمة القلوب، كما أن المحنة الكبرى محنة القلوب.
يحكى عن بعضهم أنه قال: كنت قاعدا عند سحنون وكان يترنم في نفسه وبيده قضيب يضرب به على فخذه، فانشق اللحم وسال الدم وهو يقول:
كان لى قلب أعيش به…
ضاع منى في تقلبه
رب فاردده عليّ فقد…
ضاقت الدنيا عليّ به
رب فاردده عليّ فقد…
عيل صبرى في تطلبه
وأغث ما دام بى رمق…
يا غياث المستغيث به
ويحكى عن بعضهم أنه قال: رأيت رجلا يطوف بالبيت وهو يقول: واوحشاه بعد الأنس، وإذلاله بعد العز، وإفقاره بعد الغنى، قال: فقلت له: أذهب لك مال أم أصابتك مصيبة؟ قال: لا، ولكن كان لى قلب فقدته.
ويحكى عن أبى عبد الله بن خفيف أنه قال: رأيت بمصر فقيرا يطوف على الناس ويقول: ارحمونى فإنى رجل صوفى، ذهب منى رأس مالى، فقلت: أو للصوفى رأس مال؟ قال: فقال: نعم، كان لى قلب ففقدته.
وأن الحق سبحانه إذا أراد أن يتحف عبدا أغناه بلا مال، وكفاه بلا احتيال، وأعزه من غير رهط وأشكال، يعافيه إذا مرض من غير علاج، ويحميه في عمره من غير فاقة واحتياج.