فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 408

ـ فمحلة العامة قلوبها محبوسة في الجو لا تصعد، لأن الشهوات قد ثقلتها، والهوى قد قيدها، وقلوب المريدين في سيرهم في منازلهم أينما وقف فهو محله، وإنما قيده هواه، وثقله باقى شهواته، وقلوب الواصلين في محلاتهم عند العرش، وقد قيدهم باقى أهوائهم لا يصلون إلى مجالسه في ملكه، وقلوب أهل الصفو من الواصلين، واصلة إليه في مجالسه، فذلك خالص النجوى، وصافى الذكر، وهذا الصنف هم الذين قال موسى: «يا رب، أقريب أناجيك أما بعيد فأناديك؟ قال: أنا جليس من ذكرنى» فالمجلس لهؤلاء. فالذاكرون تباينت طبقاتهم لاختلاف الأحوال في الذكر، فليس من أحد يذكر ربه إلا وبدوّ ذلك الذكر من ربه، وذلك الذكر من الرب إذن للعبد في الارتحال إليه.

فإذا ذكر الله مبتديا فإنما ذكره من ملك البهجة، فذاك شوق الله إلى عبده، ذكره ليهيج بذكره له من العبد ذكره، فيهيج شوقه إلى الله كلّ على قدره.

فالعامة لا تقدر مطالعة هذا ولا تمييزه ولا تفطن لما يتردد في صدورهم من ذلك لأنهم في المرج والشجر الملتفة، وهى أشغال النفوس في الصدور، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فما أقبل عبد بقلبه على الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله بكل خير إليه أسرع» .

فذكر الله دنوه من العبد، فدنوه على قدر مصير العبد إليه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم فيما روى عن ربه: «أنا مع عبدى ما تحركت بى شفتاه» (البيهقى ـ ابن حبان) .

فكل ذاكر يرجع إليه من ذكره بما انتهى إليه، فمن انتهى ذكره إلى محل حاد عنه إلى ذى الإحسان رجع إلى قلبه بحلاوة الرحمة وغليل الرأفة، ومن انتهى ذكره إلى محل حاد عنه إلى ذكر المن رجع إلى قلبه بحلاوة المحبة البارزة المحتظاة منها، ومن انتهى ذكره إلى محل حاد عنه إلى ذكر التدبير رجع إلى قلبه بحلاوة القربة، ومن انتهى ذكره إلى محل خلص إلى القدرة رجع قلبه بحلاوة الفرح بالله وحلاوة محبّة الله الباطنة، وهو الّذي قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أحب عبدا نادى: يا جبريل، إنى أحب فلانا فأحبوه، فينادى جبريل في السماوات: إن الله قد أحب فلانا ورضى عنه فأحبوه» (مسلم) .

فليس هذا الحب الموضوع في هذا الحديث الحب العام لأن كل موحد يحبه ربه، ولم يعطه التوحيد ولا منّ به عليه إلا من حبه له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت