فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 229

بين الهيئات. وله من النباهة في النظم ما لا يدفع. فمنه قوله تعالى:

وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا [1] [مريم: (4) ] ، أفاد شمول الشيب في الرأس واستغراقه، كما تقول: (اشتعل البيت نارا) ، فإنه يفيد ما لم يفده: اشتعل النار في البيت. وتعريف الرأس باللام فيه من النبل ما يربو على إضافته [2] .

ونظيره: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [3] [القمر: (12) ] ، أفاد أن الأرض صارت عيونا كلها [4] .

(1) جزء آية تمامها: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم: (4) ] . وفي هذه الآية قرأ أبو عمرو بإدغام السين من (الرأس) مع الشين من (شيبا) وهو ما يعرف بالإدغام الكبير الذي اختص به أبو عمرو من دون القراء. (ينظر:

«التيسير» (( 24 ) «النشر» (( 292) / (1 ) «الكنز» (( 555) / (2 ) )). وقد جاء لفظ (شيبا) منصوبا على أنه تمييز. وقيل: إنه مفعول مطلق على تقدير: شاب شيبا، فهو هنا توكيد لا دلالة فيه على ما نحن فيه. وشبه الشيب هنا بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه كل مأخذ باشتعال النار. ثم خرج مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزا، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكريا، فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة.

(ينظر: «مشكل إعراب القرآن» (( 449) / (2 ) «دلائل الإعجاز» (( 79 ) «الكشاف» (( 2) / (502 ) ).

(2) يعني أن تعريف الرأس بالألف واللام يعطيه فضلا وتشريفا أكثر مما لو عرف بإضافته إلى صاحبه وهو زكريا عليه السلام.

(3) جزء آية تمامها: وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: (12) ] .

(4) قال الجرجاني في «دلائله» (( 80 ) ): (التفجير للعيون في المعنى أوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا مثل الذي حصل هناك؛ وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها. ولو أجرى اللفظ على ظاهره فقيل:(وفجرنا عيون الأرض) أو (فجرنا العيون في الأرض) لم يفد ذلك ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض وتبجس من أماكن منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت