و من أملح هذا الفن، قوله تعالى: وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ [1] [القصص: (23) ] حذف المفعول فيها في أربعة مواضع. والمعنى: وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم، وتذودان غنمهما، ولا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما. والمقصود إثبات الحكم للفاعل مع قطع النظر عن المفعول، وأن يتوجه الإنكار من موسى عليه السلام على الذّود من حيث هو ذود لا من حيث هو ذود غنم [2] .
من ذلك قول البحتري:
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد [4]
(1) جزء آية تمامها: وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّاى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّاى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: (23) ] .
(2) ينظر: «البرهان» (( 245 ) ).
(3) ينظر: «البرهان» (( 246 ) )، «التبيان» (( 117 ) ).
واعلم أن التنازع من المواضيع النحوية، وهو أن يتوجه عاملان للعمل في معمول واحد، ومثاله: ضربت وأكرمت زيدا. فكل من الفعلين (ضرب) و (أكرم) متعد يطلب مفعولا في هذه الجملة ولا يوجد مفعول فيها إلا (زيدا) ، فأي فعل منهما يتخذه مفعولا؟ انقسم النحاة في هذا إلى قسمين، فقال الكوفيون: إن الأولى هو إعمال الأول منهما؛ لأنه أسبق من الثاني في الكلام. وذهب البصريون إلى أن الفعل الثاني هو الأولى بالعمل لقربه من المعمول. ولكنهم أجمعوا على جواز إعمال أيهما شئت، غير أن اختلافهم هو في الأولى منهما. (ينظر: «التبيين عن مذاهب النحويين» (( 252 ) )، «شرح ابن عقيل» (( 2) / (175 ) )، «معاني النحو» (( 566) / (2 ) )).
(4) البيت من البحر الكامل. وهو موجود في «ديوانه» (( 75) / (2 ) )، «دلائل الإعجاز» (( 126 ) )، «البرهان» (( 246 ) )، «التبيان» (( 117 ) ).