بين تشبيه شيئين بشيئين [1] كقول امراء القيس:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي [2]
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في الفرق بين الإثبات بالاسم والفعل [4]
اعلم أنك إذا قلت: (زيد ينطلق) كنت مشعرا بتجدد الفعل شيئا فشيئا بخلاف (منطلق) ، فإنه يشعر بثبوت المعنى ثبوت الطول والقصر [5] ؛ ولذلك
(1) كلام المؤلف هنا يوحي بأن بيت امراء القيس الآتي يعدّ من التشبيه المركب، لكنه في «البرهان» (( 130 ) )نفى أن يكون هذا البيت كذلك. وقد ذهب الحلبي في «حسن التوسل» (( 114 ) )إلى أنه من التشبيه المركب. وورد ذكره في «تهذيب الإيضاح» (( 75) / (2 ) )ضمن التشبيه الملفوف وهو ما يؤتى فيه بالمشبهين ثم بالمشبه بهما، ويطلق عليه أيضا اسم التشبيه المتعدد.
واعلم أن هذا التشبيه يكون فيه اجتماع الأمرين أو الأمور ليس على جهة المزج والتركيب بل على جهة الاستقلال والانفراد. وفي هذا البيت لم تمتزج قلوب الطير الرطبة بقلوبها اليابسة ولا العناب بالحشف البالي بل ظل كل جزء من أجزاء التشبيه منفردا مستقلا عن الآخر، حيث شبهت قلوب الطير الرطبة بالعناب وقلوبها اليابسة بالحشف البالي على جهة الانفراد والاستقلال لا على جهة المزج والتركيب. (انظر: «دراسات بلاغية» (( 172 ) )).
(2) البيت من البحر الطويل. معنى العناب: الورد الأحمر، والحشف: أردأ أنواع التمر.
والبيت تجده في: «ديوانه» (( 38 ) )، «الشعر والشعراء» (( 19 ) )، «دلائل الإعجاز» (( 75 ) )، «البرهان» (( 130 ) )، «التبيان» (( 47 ) )، «حسن التوسل» (( 115 ) ).
(3) ينظر هذا الباب في: «التبيان» (( 49 ) )وما بعدها، «البرهان» (( 140 ) )وما بعدها.
(4) تنظر أحوال استعمال الاسم والفعل في: «التعبير القرآني» (( 24 ) )وما بعدها.
(5) تجدد الفعل معناه حدوثه في وقت معين ثم انقضاؤه. أما ثبوت الاسم فمعناه دوامه دون - - انقضائه بوقت معين. فمثلا إذا قلت: (حضر زيد) بصيغة الفعل، فمعناه أن زيدا كان غائبا ثم حضر في وقت معين، وقد يغيب فينتهي حضوره بعد زمن، أما إذا قلت: (زيد حاضر) فمعناه أن زيدا متصف بالحضور ولم يغب.