وهاهو العلامة أبو زهرة يقف موقف الناقد الخبير العارف بمرامي الشارع الحكيم، ويقف موقف المنصف الواثق من دينه، في وصفه للعلامة الإمام الكوثري وما رافق حياته من صور التجديد؛ فيقول: (( إنَّ ذلك الإِمَام الجليل لم يكن من المنتحلين لمذهبٍ جديدٍ، ولا من الدعاةِ إلى أمرِ بدئ لم يُسبَق بِهِ، ولم يكن من الذين يَسِمُهُم النَّاسُ اليوم بسمةِ التَّجدِّيد، بل كَانَ يَنفرُ منهم، فإنَّهُ كَانَ مُتبعًا، ولم يكنْ مُبتدِعًا، ولكني مع ذلك أقول: إنَّهُ كان من المجدِّدين بالمعنى الحقيقي لكلمةِ التجدِّيدِ؛ لأنّ التَّجدِّيد ليس هو ما تَعارفَه النَّاسُ اليوم من خَلعٍ للربقةِ، وردةٍ لعهدِ النُّبوةِ الأولى، إنَّما التَّجدِّيد هو أن يُعادَ إلى الدِّين رَونَقَهُ، ويُزالُ عنه مَا عَلِقَ به من أوهامٍ، ويُبَيَّنُ للنَّاسِ صافيًا كجوهره، نقيًا كأصلِهِ، وإنَّهُ لَمِنَ التَّجديد أن تَحيا السُّنَّة، وَتَمُوتَ البدعة، ويَقومَ بينَ النَّاسِ عَمودَ الدِّين، ذلك هو التَّجدِّيد حَقًا وَصِدقًا، ولَقَدْ قَامَ الإِمَام الكوثريّ بإحياء السُّنَّة النَّبويَّةِ، فَكشَفَ عن المخبوءِ بينَ ثَنايا التَّاريخ من كُتبها، وبَيَّنَ مَناهجَ رُواتِها، وأَعلنَ للنَّاسِ في رسائلٍ دَوَّنَها، وكُتُبٍٍ ألَّفها سُنَّةَ النَّبيّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ مِن أقوالٍٍ وأفعالٍٍ وتقريراتٍ، ثُمَّ عَكَفَ على جُهود العلماءِ السَّابقين الذين قاموا بالسُّنَّة، ورعوها حقَّ رعايتها، فَنَشَرَ كُتُبَهم التي دُونت فيها أعمالهم لإحياء السُّنَّة ) ) (1) .
فيحسن في البدء ذكر حديث التجديد، وبيان درجته عند العلماء، ثم توضيح معنى التجديد عند أئمة الدين، مع ذكر ضوابطه، ثم الكلام عن تجديد الإمام اللكنوي. وكل ذلك ضمن عنوانات هي:
حديث التجديد:
(1) مقالات الكوثري )) (ص15) . المكتبة الأزهرية للتراث. 1994م.