بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي أعلا شأنَ العلماءِ العاملين، وجعلَهم منائرَ للمهتدين، وخصَّهم من بينِ العالمينَ بالنورِ المبين، وسَلكَ بهمُ الطريقَ القويمَ إلى الصراطِ المستقيم، والصلاةُ والسلامُ على رسولِه محمدٍ إمامِ العالمينَ، وسيدِ الأولياءِ والمتقين، وعلى آله الطيبينَ الطاهرين، وصحابتِهِ الأكرمينَ نبراسِ المقتدين، وعلى مَن تبعهم، وسارَ على دربهم إلى يومِ الدين.
وبعدُ:
فإنها لحظاتٌ يَغْبِطُ المرءُ نَفْسَهُ عليها بجلوسِهِ مع إخوانِهِ وأحبائِهِ، وبينَ يدي شيوخِهِ وأساتذتِهِ الكرامِ الأفاضل، يُقوِّمونَ له عملَهُ، ويُبيِّنونَ له زلاتِهِ، ويُرشِّدونَهُ إلى الصوابِ، فتكونُ كلماتُهم هاديةً لهُ لحياةٍ قادمةٍ، اختارَ فيها العيشَ مع علومِ الشريعةِ دونَ ما سواها:
لكلِّ بني الدنيا مرادٌ ومقصدُ
وإنَّ مُرَادِي صِحَّةٌ وفراغُ
لأَبْلُغَ في علمِ الشريعةِ مَبْلغًا
يكونُ بهِ لي في الجنانِ بَلاغُ
أمَّا عن سببِ اختياري الإمامَ اللكنويَّ في دراستي:
فهو أنني في بواكيرِ دراستي الجامعيةِ، كنتُ أجدُنِي مشدودًا إلى ما يكتبُهُ ويحقِّقُهُ فضيلةُ الشيخِ عبدِ الفتاحِ أبو غدةَ ـ رحمهُ الله رحمةً واسعةً ـ، لما تَمتازُ به تحقيقاتُهُ من عزيزِ الفرائدِ وغزيرِ الفوائدِ، مع الأدبِ الجمِّ، فكنتُ أرى في اختيارِهِ أُنسي، وفي فوائدِهِ راحتي.
وقد كان فضيلتُهُ شديدَ الاهتمامِ بالإمامِ اللكنويِّ، كثيرَ الإحالةِ على كتبِهِ، وقد حقَّق عددًا من مؤلفاتِهِ القيِّمِةِ.
وكنتُ أجدُ في تلكَ المؤلفاتِ ما ينبؤ على عظمةِ هذا العالمِ الجليلِ، وما تنفردُ به مؤلفاتُهُ من التحقيقاتِ الدقيقةِ، والمسائلِ الفريدةِ، التي تشدُّ إليها ناظرَها، فيسترسلُ وراءَ نَهَمِهِ في تَملِّيها، حتى يَتَمَنَى البقاءَ دَوْمًَا معها، يَسْتَنْشِقُ رَوائحَ الهدى من عَبَقِهَا.