وحين أكرمِني اللهُ تعالى بمتابعةِ التحصيلِ العلميِّ، وسجّلتُ في الدراساتِ العُليا، تَركَّزَ في نفسي أن أَخَصَّ هذا الإمامَ الجليلَ بدراسةٍ عِلميةٍ، في إطارِ تخصصي الفقهيِّ، تُبْرِزُ جانبًا من جَوانبِ شخصيتِهِ الفَذَّةِ، وَتُظْهِرُ العديدَ مِن مَزَاياهُ العلميةِ الفريدةِ، بعد أنْ أكونَ قد عِشْتُ بُرْهَةً من الزَّمَنِ مَعَ أَنْفَاسِهِ المؤمنِةِ، وكتبِهِ الكثيرةِ النافِعَةِ.
ولعلَّ رغبتي الأكيدةَ هذه، وعزيمتي الصادقةَ فيما نَوَيْتُ، دفعتني إلى مشاورةِ أَهل العلمِ والمعرفةِ، وذوي الاهتمامِ بالدراساتِ الفقهيةِ، فكانوا يرتاحونَ إلى مثلِ هذه الفكرةِ، بَيْدَ أنّ بعضهم كان يَتَوَجَسُ مِن سِعَةِ الموضوعِ، وعدمِ توافر معظمِ مؤلفاتِ الإمام اللكنويِّ ـ رحمه الله تعالى ـ بينَ أيدينا.
وكان أبرزَ منَ شَجْعَني عليه هو فضيلةُ الشيخِ شُعَيْبٍ الأَروناؤط، فقدْ زُرْتُهُ في مكتبِهِ الخاصِّ بالتحقيقِ مرَّاتٍ عديدةٍ، وكان في كلِّ مرَّةٍ يُشَجِعُني ويرشدُنِي إلى فوائدَ خاصةٍ بدراستي له، ويكثرُ من الثَّناءِ عليه، ويقولُ عنه: إنَّهُ من الذين لا يملكُ الإنسانُ إلا الخضوعَ لهم؛ لما كان عليه من التحقيقِ والإنصافِ وعدمِ التعصبِ.
وقد كنتُ أعلمُ أنَّ دراستي له تتطلبُ الوقوفَ على مؤلفاتِهِ جَميعِها؛ حتى تَكونَ الدراسةُ علميةً استقرائيةً، لكن المطبوعَ منها لا يتجاوزُ عددَ أصابعِ اليدينِ، الأمرُ الذي جَعلني أَبدأُ بالبحثِ عنها مُنْذُ وَقْتِ تَقْديم خِطَّةِ الموضوعِ إلى الجامعةِ الموَّقرةِ.