فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 583

والسبب في اختيار هذا المنهج الذي أداه إلى خلاف بعض أصول مذهبه هو الإنطلاق من قاعدة مقاصد الشريعة أولًا، ثم محاولة تقليل النزاع والخلاف بين المسلمين، والوفاق فيما بينهم فالمرتكزات الذهنية الَّتِي كَانَ ينطلق منها الْإِمَام اللَّكْنَوِيّ فِي ترجيحه للمسائل الفقهية، قاعدة تحقيق مقاصد الشريعة وعللها وذلك من خلال عدم تعصبه لطائفة معينة، وإنما يسعى وراء الحق حيثما وجد، وهذا الأمر الذي تركز في نفسه كان بسبب مسلك التوسط والاعتدال في معالجته الأمور كلِّها.

والمراد من التعصب هنا هو الإعراض عن الحق والصواب بعد أن يتبين للمرء، ويسعى في إخفائه، وقد أبان الإمام اللكنوي عن معنى التعصب وسبب ذمه والفرق بينه وبين اتباع المذاهب في ردِّه على القنوجي في اتهامه لابن الهمام بالتعصب، وهو كلامٌ نفيس ثمين رأيت إيراده هنا، قال رحمه الله: (( لا ينكر وجود التعصب في بعض المسائل والصلابة في بعض الدَّلائل من ابن الهمام، كما لا يَخفى على من طالع بحث سؤر الكلب، وغيره، وإنصافه في كثير من المواضع، فإنَّهُ كثيرًا ما يرجح ما وافق الأحاديث، وإن خالفت الجمهور، ويسير إلى قوة الخلاف وإلى ما هو المنصور، وهذا لا يصحح إطلاق المتعصب والصلب الذي يؤدي مؤداه عليه، فإنَّ مثل هذا اللفظ إنما يطلق على من كانت عادته ذلك، ويخفي الحق كثيرًا مع ظهور الحق فيما هنالك، وإلا فالتعصب أحيانًا أمرٌ قلَّ مَن خلي عنه، ولا يطلق على من يَسلك مَسلك التَّعصب أحيانًا، أَنَّهُ مُتعصب، أو مُتعسف، وهذا كما أن منكر الحديث لا يطلق في عرف المحدِّثين على مَن روى مُنكرًا، إِلَّا على مَن كان غالب رواياتِهِ مُنكرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت