*وحقَّق فيه المقصود من البدعةِ: بأن ما كان في عهدِ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم سواء كان فعلهِ بنفسه أَو فعله أصحابه وقرَّرهم على ذلك: لَيْسَ ببدعة اتفاقًا، وما لم يكن في عهده بل حدث بعده، فهو بدعة بالمعنى العام بمعنى المحدث مطلقًا بعد العهد النَّبوي، وهو لا يخلو: إما أن يكون مِن قبيل العادات أَو مِنْ قبيل العبادات.
فإن كان الأَوَّل فهو لَيْسَ ببدعةِ ضلالةٍ أصلًا، ما لم يدلَّ دليلٌ شرعي على قبحه.
وإن كان الثاني فهو لا يخلو:
إما أن يكون حَدَثَ في زمن الصَّحَابَة، بأن فعله الصَّحَابَة كلهم أَو بعضهم أَو فُعِلَ في زمانهم مع اطّلاعهم عليه.
وإما أن يكون حدَثَ في زمان التَّابِعِينَ.
وإما أن يكون حادثًا بعد ذلك إلى يومنا هذا.
أمَّا الحادث فِي زمان الصَّحابة، فلا يخلو: إمَّا أن يوجد منهم النكيرُ على ذلك، أَو لم يوجد مع اطلاعهم على ذلك.
فالأول: بدعةُ ضلالة، داخلٌ في (( كُلُّ بدعةٍ ضلالةٍ ) ) (1) ، مثاله الخطبة قبل الصَّلاة في العيدين، فعَلَه مَرْوَان بن الْحَكَم، وأنكره عليه أَبُو سَعِيد الخُدْرِيّ …
والثاني: وهو أن لا يوجد منهم النكير بل الرضى والتوافق، وليس ببدعة شرعية، وإن أُطلقَ أَنَّهُ بدعةٌ بالمعنى العامّ، قُيِّدَ ذلك بأنه بدعة حسنه، فمن ذلك الأذانُ الأَوَّل يوم الجمعة …
(1) رواه مسلم في كتاب الجمعة رقم (1435) . والنسائي في كتاب صلاة العيدين رقم (1560) ، وفيه زيادة: (( وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ) ). وأبو داود في كتاب السنة رقم (3991) . وابن ماجه في المقدمة رقم (44،45) . وأحمد في مسند الشاميين، رقم (16521،16522) . والدارمي في كتاب المقدمة رقم (95،208) . وزيادة: (( كل ضلالة في النار ) )تَوَسَعَ في الكلام حولها الشيخُ الفاضلُ عبدُ الفتاح أبو غدة في نهاية (( تحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار ) )، ورجَّح عدم قبولها.