فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 367

فُضِّلَ مِنْ أَجْلِهَا، وَهُوَ فِيهَا عُرْضَةٌ لِلْآفَاتِ كَسَائِرِ الْبَشَرِ، فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنَّهُ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِهَا مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، ثُمَّ يَنْجَلِي عَنْهُ كَمَا كَانَ.

وَالْمَقْصُودُ: ذِكْرُ هَدْيِهِ فِي عِلَاجِ هَذَا الْمَرَضِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيهِ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا - وَهُوَ أَبْلَغُهُمَا - اسْتِخْرَاجُهُ وَإِبْطَالُهُ، كَمَا صَحَّ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَيْهِ فَاسْتَخْرَجَهُ مِنْ بِئْرٍ، فَكَانَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، فَلَمَّا اسْتَخْرَجَهُ ذَهَبَ مَا بِهِ حَتَّى كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا يُعَالَجُ بِهِ الْمَطْبُوبُ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ إِزَالَةِ الْمَادَّةِ الْخَبِيثَةِ وَقَلْعِهَا مِنَ الْجَسَدِ بِالِاسْتِفْرَاغِ.

وَالنَّوْعُ الثَّانِي: الِاسْتِفْرَاغُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْهِ أَذَى السِّحْرِ، فَإِنَّ لِلسِّحْرِ تَأْثِيرًا فِي الطَّبِيعَةِ، وَهَيَجَانَ أَخْلَاطِهَا وَتَشْوِيشَ مِزَاجِهَا، فَإِذَا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي عُضْوٍ، وَأَمْكَنَ اسْتِفْرَاغُ الْمَادَّةِ الرَّدِيئَةِ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ، نَفَعَ جِدًّا.

وَقَدْ ذَكَرَ أبو عبيد فِي كِتَابِ"غَرِيبِ الْحَدِيثِ"لَهُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، ( «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ عَلَى رَأْسِهِ بِقَرْنٍ حِينَ طُبَّ» ) .قَالَ أبو عبيد: مَعْنَى طُبَّ: أَيْ سُحِرَ.

وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى مَنْ قَلَّ عِلْمُهُ، وَقَالَ مَا لِلْحِجَامَةِ وَالسِّحْرِ، وَمَا الرَّابِطَةُ بَيْنَ هَذَا الدَّاءِ وَهَذَا الدَّوَاءِ، وَلَوْ وَجَدَ هَذَا الْقَائِلُ أبقراط أَوِ ابْنَ سِينَا أَوْ غَيْرَهُمَا قَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا الْعِلَاجِ، لَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَقَالَ: قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ مَنْ لَا يُشَكَّ فِي مَعْرِفَتِهِ وَفَضْلِهِ.

فَاعْلَمْ أَنَّ مَادَّةَ السِّحْرِ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ - صلى الله عليه وسلم - انْتَهَتْ إِلَى رَأْسِهِ إِلَى إِحْدَى قُوَاهُ الَّتِي فِيهِ بِحَيْثُ كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ، وَهَذَا تَصَرُّفٌ مِنَ السَّاحِرِ فِي الطَّبِيعَةِ وَالْمَادَّةِ الدَّمَوِيَّةِ بِحَيْثُ غَلَبَتْ تِلْكَ الْمَادَّةُ عَلَى الْبَطْنِ الْمُقَدَّمِ مِنْهُ، فَغَيَّرَتْ مِزَاجَهُ عَنْ طَبِيعَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ.

وَالسِّحْرُ: هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ تَأْثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ، وَانْفِعَالِ الْقُوَى الطَّبِيعِيَّةِ عَنْهَا، وَهُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ، وَلَاسِيَّمَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي انْتَهَى السِّحْرُ إِلَيْهِ، وَاسْتِعْمَالُ الْحِجَامَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي تَضَرَّرَتْ أَفْعَالُهُ بِالسِّحْرِ مِنْ أَنْفَعِ الْمُعَالَجَةِ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ عَلَى الْقَانُونِ الَّذِي يَنْبَغِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت