فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ حَرَامٌ وَكُفْرٌ، وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ مَنِ اسْتَثْنَى أَحْوَالًا. فَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ ذَخِيرَةِ النَّاظِرِ أَنَّ تَعَلُّمَهُ لِرَدِّ فِعْل سَاحِرِ أَهْل الْحَرْبِ فَرْضٌ، وَأَنَّ تَعَلُّمَهُ لِيُوَفِّقَ بَيْنَ زَوْجَيْنِ جَائِزٌ، وَرَدَّهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لحديث زَيْنَبَ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ، قَالَتْ: كَانَ عَبْدُ اللهِ إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ، تَنَحْنَحَ وَبَزَقَ، كَرَاهِيَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ، قَالَتْ: وَإِنَّهُ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَتَنَحْنَحَ، قَالَتْ: وَعِنْدِي عَجُوزٌ تَرْقِينِي مِنَ الْحُمْرَةِ، فَأَدْخَلْتُهَا تَحْتَ السَّرِيرِ، فَدَخَلَ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي، فَرَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا، قَالَ: مَا هَذَا الْخَيْطُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ خَيْطٌ أُرْقِيَ لِي فِيهِ، قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آلَ عَبْدِ اللهِ لَأَغْنِيَاءُ عَنِ الشِّرْكِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ"قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ: لِمَ تَقُولُ هَذَا وَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تَقْذِفُ، فَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ يَرْقِيهَا، وَكَانَ إِذَا رَقَاهَا سَكَنَتْ؟ قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ كَانَ يَنْخُسُهَا بِيَدِهِ، فَإِذَا رَقَيْتِهَا كَفَّ عَنْهَا، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا" [1]
وَالتُّوَلَةُ شَيْءٌ كَانُوا يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ الْمَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا.
(1) - مسند أحمد ط الرسالة (6/ 110) (3615) صحيح لغيره
قوله:"من الحمرة":قال السندي:"في القاموس":الحمرة لون معروف، وورم من جنس الطواعين. قلت: لعل المراد هاهنا هو المعنى الثاني.=لأغنياء عن الشرك: يريد أنه لا حاجة لهم إلى أن يستعملوا ما هو شرك.=الرقى: بضم الراء مقصور، جمع رقْيَة بضم فسكون: العَوْذة، والمراد ما كان بأسماء الأصنام والشياطين، لا ما كان بالقرآن ونحوه (من الآثار الصحيحة) ،وفيها: والرقى إلا بالمعوذات.=والتمائم: جمع تميمة، أريد بها الخَرَزَات التي يعلقها النساء في أعناق الأولاد، على ظن أنها تؤثر وتدفع العين.=والتوَلَة: بكسر التاء المثناة من فوق، وفتح الواو واللام: نوع من السحر يحبب المرأة إلى زوجها. قلنا: جاء تفسير التولة في رواية الحاكم: فقلت: ما التولة؟ قال: التولة هو الذي يهيج الرجال.= قوله:"شرك":أي: من أفعال المشركين، أو لأنه قد يفضي إلى الشرك إذا اعتقد أن له تأثيرًا حقيقة، وقيل: المراد الشرك الخفي بترك التوكل والاعتماد على الله سبحانه وتعالى.=تقذف: على بناء الفاعل، أي: ترمي بالرمص والماء من الوجع، أو على بناء المفعول، أي: تبلغ من غاية الألم إلى أنها كأنها ترمى.=ينخسها: كينصر، أي: يحركها ويؤذيها.=لا يغادر: لا يترك.=سقمًا، بفتحتين، أو بضم فسكون، أي: مرضًا. قال ذلك كله السندي. مسند أحمد ط الرسالة (6/ 112)