وَاسْتَدَل الطُّرْطُوشِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة:102] أَيْ بِتَعَلُّمِهِ، وقَوْله تَعَالَى: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة:102] ،وَلأَِنَّهُ لاَ يَتَأَتَّى إِلاَّ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَادِرٌ بِهِ عَلَى تَغْيِيرِ الأَْجْسَامِ، وَالْجَزْمُ بِذَلِكَ كُفْرٌ. قَال الْقَرَافِيُّ: أَيْ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ ظَاهِرًا؛ وَلأَِنَّ تَعْلِيمَهُ لاَ يَتَأَتَّى إِلاَّ بِمُبَاشَرَتِهِ، كَأَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَى الْكَوْكَبِ وَيَخْضَعَ لَهُ، وَيَطْلُبَ مِنْهُ قَهْرَ السُّلْطَانِ.
ثُمَّ فَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ مَنْ يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَتِهِ لِمَا يَصْنَعُ السَّحَرَةُ كَأَنْ يَقْرَؤُهُ فِي كِتَابٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ فِعْل السِّحْرِ لِيَتَعَلَّمَهُ فَلاَ يَكْفُرُ بِالنَّوْعِ الأَْوَّل، وَيَكْفُرُ بِالثَّانِي حَيْثُ كَانَ الْفِعْل مُكَفِّرًا. [1]
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَعْلِيمُهُ حَرَامٌ، إِلاَّ إِنْ كَانَ لِتَحْصِيل نَفْعٍ، أَوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ، أَوْ لِلْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. [2]
وَقَال الْفَخْرُ الرَّازِيُّ:"الْعِلْمُ بِالسِّحْرِ غَيْرُ قَبِيحٍ وَلَا مَحْظُورٌ: اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ لِذَاتِهِ شَرِيفٌ وَأَيْضًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزُّمَرِ:9] وَلِأَنَّ السِّحْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ لَمَا أَمْكَنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزِ، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِ الْمُعْجِزِ مُعْجِزًا وَاجِبٌ وَمَا يَتَوَقَّفُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ بِالسِّحْرِ وَاجِبًا وَمَا يَكُونُ وَاجِبًا كَيْفَ يَكُونُ حَرَامًا وَقَبِيحًا.". [3]
قال ابن كثير:"وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ:"
أَحَدُهَا: قولُهُ:"الْعِلْمُ بِالسِّحْرِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ".إِنْ عَنَى بِهِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ عَقْلًا فَمُخَالَفُوهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ يَمْنَعُونَ هَذَا وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقَبِيحٍ شَرْعًا، فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَبْشِيعٌ لِتَعَلُّمِ
(1) - فتح القدير 4/ 408،وابن عابدين 1/ 31،وكشاف القناع 6/ 186،والفروق للقرافي 4/ 152،153،159،165،الفرق 242 ..
(2) - القليوبي على شرح المنهاج 4/ 169.
(3) - تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 626) والموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (24/ 265)