أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه - الآية 6،66) وقد ثبت عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ» [1]
وعَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: «لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا» ،فَقِيلَ لَهُ: وَمَا هُنَّ؟ فَقَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ» [2]
قلت: وليس المقصود من قول الإمام مالك - رحمه الله - تعالى أن لسحر اليهود قدرة على تغيير الأمور وقلب حقيقتها التي خلقت عليها، ولكن قد يكون القصد من الكلام آنف الذكر إما التهويل وقدرة سحرة اليهود وبراعتهم في هذا الأمر، وإما أن يكون القصد قدرة سحرة اليهود على قلب الحقيقة في نظر الرائي دون المرئي وهو ما يسمى بسحر التخييل والله تعالى أعلم.
يقول ابن خلدون: (سحر التخيل هو أن يعمد الساحر إلى القوى المتخيلة فيتصرف فيها بنوع من التصرف، ويلقي فيها أنواعا من الخيالات والمحاكاة وصورًا مما يقصده من ذلك، ثم ينزلها إلى الحسِّ من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيه، فينظر الراؤن كأنها في الخارج وليس هناك شيء من ذلك) [3]
قصة واقعية: يقول فضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين -حفظه الله- حكى لنا بعض العامة أن ساحرًا أتى إلى صاحب غنم ومعه شاة يقودها بأذنها، وطلب من صاحب
(1) - صحيح البخاري (4/ 101) (3175)
[ (سحر) السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز على النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي ثبت أن هذا السحر لم يؤثر عليه في عقله ولم يغير عليه شيئا من الوحي ولم يداخله شيء في أمر الشريعة بسببه وإنما شيء اعتراه وأثر على ظاهره فأصابه شيء من التخيل والوهم ثم لم يتركه الله تعالى على ذلك بل تداركه بعصمته وأعلمكه موضع السحر وعلمه استخراجه وحله منه ودفع أثره وأذهبه ولهذا لم يعاقب الذي فعله - صلى الله عليه وسلم -]
(2) - موطأ مالك ت عبد الباقي (2/ 952) (12) صحيح مقطوع
(3) - مقدمة ابن خلدون - 498