* ثم ذكرَ اللهُ سبحانه وتَعالى بعدَ اليمينِ الكَفارَةَ مُفَضَلَةً مُبَيَّنَةً، فخيَّرَ في أَوَّلِها، ورتَّبَ في آخرِها، فخيَّرَ بينَ الإطعامِ والكُسوةِ والتَّحريرِ.
وعلى هذا اتفقَ العُلَماءُ من الخَلَفِ والسَّلَفِ [1] ، إلا ما رُويَ عنِ ابنِ عُمَرَ -رضي اللهُ تعالى عنهما-: أنه كانَ إذا أَكَّدَ اليمينَ، أعتقَ، أو كَسا، وإذا لم يُؤَكِّدْها، أَطْعَمَ [2] .
قيلَ لنافعٍ: ما التأكيد؟ قال: أن يحلفَ على الشَّيْءِ مِرارًا.
ولو أرادَ الحالِفُ أن يطعمَ خَمْسَةَ مساكينَ، ويكسوَ خمسةً؛ لم يجزُ؛ لأن الله سبحانَهُ خَيَّرَ بينَ الأنواعِ، ولم يخيرَّ في تنويعِ الأنواعِ [3] .
ومطلقُ الخطابِ يقتضي وجودَ التكفيرِ بحصولِ الإطعام للمساكين في أيِّ صورةٍ كانت، فلو غَداهُم وعَشّاهُم، جاز، وبه قال أبو حنيفة [4] .
وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يُجزئ إلا التمليكُ التامُّ؛ قياسًا على الفِطْرَةِ، فقيد هذا الإطلاق بالقياس [5] .
(1) انظر:"أحكام القرآن"للجصاص (4/ 115) ، و"الحاوي الكبير"للماوردي (15/ 299) ، و"الاستذكار"لابن عبد البر (5/ 200) .
(2) انظر:"المحلى"لابن حزم (8/ 53) ، و"بداية المجتهد"لابن رشد (1/ 305) .
(3) وهذا مذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجوز بشروط. انظر:"المدونة الكبرى" (3/ 126) ، و"الحاوي الكبير"للماوردي (15/ 306) ، و"المجموع"للنووي (6/ 108) ، و"المبسوط"للسرخسي (8/ 151) .
(4) وهو رواية عن مالك. انظر:"المبسوط"للسرخسي (8/ 149) ، و"شرح فتح القدير"لابن الهمام (5/ 81) ، و"الاستذكار"لابن عبد البر (5/ 201) ،"أحكام القرآن"لابن العربي (2/ 158) .
(5) وهو الراجح من مذهب أحمد. انظر:"الحاوي الكبير"للماوردي (10/ 523) ، و"المغني"لابن قدامة (8/ 26) ، و"أحكام القرآن"لابن العربي (2/ 158) ، و"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي (6/ 276) .