وقد ثبت في الحديثِ الصحيحِ المتفق على صحته: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الخندق:"شَغَلُونا عن الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصرِ، مَلأَ اللهُ قُبورَهُمْ وبُيوتَهم نارًا" [1] ، وهذا يدل دلالةً واضحةً على أن بيانَ [2] الصلاةِ الوسطى معروفٌ عندهم، وهي لم يذكرها في كتابه إلا في هذه الآية، وقد ذكر فيها حكم صلاةِ شدةِ الخوف، فقال: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] .
ثم يُقال حينئذٍ: لِمَ أَخَّرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاةَ يومَ الخندقِ مع بيانِ الله سبحانه لصلاةِ الخوف [3] ؟
فإن قيل: إنما بيَنَ اللهُ سبحانه صلاةَ شدةِ الخَوْفِ، ولم يكنْ يومَ الخندقِ إلا مُجَرَّدُ الخوف؟
قلنا: إذا أباح الله سبحانه صلاةَ شدةِ الخوف مع كثرة مخالفتها لصورة الصلاة، فأولى أن يبينَ النبي - صلى الله عليه وسلم - حكمَ اللهِ سبحانَهُ في صلاة الخَوْفِ؛ لأنه كان يمكِنُهم في الخَنْدَقِ التَّناوُبُ.
فلم يبقَ إلا أن يقال: لعلَّ الصلاةَ الوسطى كانت معروفةً عندهم، وموقعُ شرفها موجود في صدورهم قبلَ نزولِ الآية، ثم أَمَرَهُم اللهُ سبحانَهُ بالمحافظة على ما هو مَعهودٌ عندهم، ومتقرَّر في نفوسِهم من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ تأكيدًا لشأنِها؛ كما أجبنا بمثل هذا في الجمع بين حديثي عبدِ الله بنِ مسعود، وزيدِ بن أَرقَمَ -رضي الله تعالى عنهما-.
أو يقال: لعلَّ قولَه تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] نزل عند الخندق، وقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [البقرة: 238]
(1) تقدم تخريجه.
(2) في"ب"زيادة:"شأن".
(3) إن صلاة الخوف لم تكن قد شرعت يوم الخندق.