وهذا فيه نظر, والصواب أن التدليس نوعان, ويُحمَل كلام المؤلف على المكثِر الذي غلب عليه التدليس, وأما المقل فتُحمَل عنعنته على الاتصال والسماع. والأئمة رحمهم الله تعالى يقولون: دلَّسه, ولا يقولون: عنعنه, فهم يفرقون بين العنعنة, وبين التدليس, باستثناء ما غلب على اصطلاحات كثير من المتأخرين. قوله"ثم إن كان المدلس عن شيخه ذا تدليس - أي صاحب تدليس - عن الثقات فلا بأس":
معنى هذا أن من لا يدلس إلاَّ عن ثقة, يُقبَل حديثه, وتُقبَل عنعنته, كسفيان بن عيينة, وكجماعة من الأكابر. وهذا مبني على قاعدة أن المدلس إذا عنعن لا يُقبَل حديثه, والصواب التفصيل.
قوله"وإن كان ذا تدليس عن الضعفاء فمردود":
يقال: الرواة المتهمون بالتدليس على قسمين:
القسم الأول: من كثر تدليسه, واشتهر به, وكان غالبًا عليه, فهذا لا يُقبَل حديثه حتى يصرح بالسماع, وهذا ولله الحمد لا يُعرَف عن أحد من الأئمة الثقات, ولا يوجد هذا النوع إلا فيمن قيل عنه أنه سيء الحفظ, أو ضعيف, أو صدوقٌ مختلف فيه, كبقية بن الوليد, والحجاج بن أرطاة, ونحو هؤلاء.
وقد سُئِلَ علي بن المديني رحمه الله تعالى عن الرجل يدلس, أيكون حجة فيما لم يقل فيه: حدثنا؟ فقال رحمه الله: إذا كان الغالب عليه التدليس فلا, حتى يقول: حدثنا.
مفهوم هذا أنه إذا كان مقلاًّ, فلا تؤثر عنعنته على الإسناد والحديث.
القسم الثاني: من قلَّ تدليسه, أو دلَّس عن ثقة, فحكم حديثه الصحة, وتُقبَل عنعنته.
من ذلك: قتادة, والأعمش, وأبو إسحاق السبيعي, وأبو الزبير المكي, وهُشَيم, وابن جريج, والثوري, والوليد بن مسلم, وغير هؤلاء, فهؤلاء أئمة الحفظ, وأكابر علماء الحديث, وقد وُصِفَ هؤلاء بالتدليس, وهذا غير مؤثر على حديثهم.