أما إذا لم يكن في حديث الثقة علة, ورواه الثقة, وخالفه الضعيف, فيُحكَم على رواية الضعيف بالنكارة, وهذا صنيع الأئمة كلهم كالبخاري, ومسلم, وأحمد, ويحيى, وابن معين, وابن مهدي, وأمثال هؤلاء الأئمة, الذين يُعلَم تميزهم في هذا الباب عن غيرهم.
قوله"فإن كان الثبت أرسله مثلًا, والواهي وصله, فلا عبرة بوصله لأمرين: لضعف راويه, ولأنه معلولٌ بإرسال الثبت له":
قوله"فإن كان الثبت أرسله": كمالك, أو الزهري, أو نحو هؤلاء,"والواهي وصله": كقرة بن عبد الرحمن, ويعنى بالواهي هنا مطلق الضعف, فلا عبرة بوصله لأمرين: لضعف راويه, ولأنه معلول بإرسال الثبت له. ويمثل لهذا بحديث قرة بن عبد الرحمن المعافري عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) . هذا الخبر معلول بالإرسال, فقد رواه مالك وغيره عن الزهري عن علي بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا, وقرة بن عبد الرحمن سيء الحفظ, وهو لو تفرد بهذا الخبر لكان معلولًا, ويكون ضعفه أشد حين يخالف غيره من الحفاظ.
مثال آخر: روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحلت لنا ميتتان ودمان, فأما الميتتان فالجراد والحوت, وأما الدمان فالكبد والطحال) . وهذا خبر معلول, فقد رفعه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, وهو ضعيف باتفاق أكابر المحدثين, وحُكِيَ الإجماع على ضعفه, وتابعه بعض الضعفاء. وروى الخبر سليمان بن بلال, وهو ثقة, عن زيد بن أسلم عن ابن عمر موقوفًا, وهذا هو الصواب. وحينئذٍ يُحكَم في هذا وذاك بإرسال الثبت, وتضعيف الوصل, لأمرين:
الأمر الأول: ضعف من رفع الخبر.
الأمر الثاني: العلة بإرسال الثبت له.