قوله"ثم اعلم أن أكثر المتكلَّم فيهم, ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم للأثبات":
وهذا صحيح, فعدد كبير من الرواة يُضعَّفون بسبب مخالفتهم للحفاظ, وبسبب تفردهم عن الأثبات, فإن الصدوق إذا كثر تفرده عن الأئمة, صار هذا علة في خبره, لأنه لا يُقبَل تفرد إلا من عُرِفَ بالحفظ والضبط والإتقان, وشهد له الأئمة بالتقدم والسبق, والأئمة لا يقبلون تفرد كل أحد.
قوله"وإن كان الحديث قد رواه الثبت بإسناد, أو وقفه, أو أرسله, ورفقاؤه الأثبات يخالفونه, فالعبرة بما اجتمع عليه الثقات, فإن الواحد قد يغلط. وهنا قد ترجح ظهور غلطه فلا تعليل, والعبرة بالجماعة":
الصواب في هذا الباب أنه يعتبر فيه بالقرائن. وقد تقدم الحديث عن هذا في الدروس الماضية, وأن الأئمة لا يحكمون على الزيادة بالقبول مطلقًا, ولا يردون ذلك مطلقًا, ويعتبرون في هذا الباب بالقرائن, فتارةً يحكمون على هذه الزيادة بالقبول, وتارةً بالرد, وتارةً يرجحون وقف الخبر, وتارةً يرجحون رفعه.
كثير من الأئمة يقبلون رواية مالك عن نافع بزيادة (من المسلمين في الفطر) . وفي نفس الوقت يردون رواية آخرين يزيدون في الأحاديث, أو يرفعون الموقوف. وكثير من الأئمة لا يقبلون رواية هُشَيم عن شعبة عن عَدِي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء فلم يأتِ, فلا صلاة له إلا من عذر) . وقد رواه غير واحد عن شعبة برفعه, ولكن ذهب الأكثر والأحفظ كغندر ووكيع إلى وقفه, فهؤلاء يروون الخبر عن شعبة عن عدي عن سعيد بن جبير ابن عباس موقوفًا, وهذا هو الصواب.
وتقدم الحديث عن هذه المسألة في الحديث عن الشاذ. وحين يسأل طالب علم: ما هي القرائن التي ترجح في هذا الباب؟