يطلبونه محبةً له, والنية غير خالصة لله, فيأبى الله جل وعلا إلاَّ أن يكون هذا العلم لله. هم يقرؤون الأحاديث, ويقرؤون الآيات, ويقرؤون النصوص, فيدلهم على ما ينفعهم, ويحجزهم عما يضرهم. فجماعة من أئمة السلف يحبون العلم كحب الرجل للزوجة, بل يحبون ذلك أعظم من حب المباحات والمستلذات الأخرى. ويحكى عن الشافعي, ويحكى عن غيره أيضًا, أنه يقول:
سَهَرِيْ لتنقيحِ العلومِ أَلَذُّ لِيْ ... من وَصْلِ غانيةٍ وطيبِ عِنَاق
وصريرُ أقلامِي على صَفَحَاتِها ... أحلى من الدَّوْكاءِ والعُشَّاق
وأَلَذُّ من نَقْرِ الفتاةِ لدُفِّهَا ... نَقْرِيْ لأُلْقِي الرَّمْلَ عن أوراقِيْ
وتمايُلِيْ طَرَبًا لحلِّ عويصةٍ في الدَّرْسِ ... أشهى من مُدَامَةِ سَاقِيْ
والمقصود أنهم يطلبون العلم محبةً له, طائفة منهم يطلبون العلم محبةً للعلم ولذات العلم, لا يريدون به لا جزاءً ولا شكورًا ولا رياءً ولا سمعة, وهم لا يُلاَمون على هذا, ولكن فيما بعد أبى العلم إلاَّ أن يكون لله.
وأما الذين يطلبون العلم للرياء, فهؤلاء يعاقبون في الدنيا والآخرة, وأما الذين يطلبون العلم لأجل المنصب, لا يريدون إلاَّ ذلك, فهؤلاء مجانبون للصواب, وأما الذين يطلبون العلم وللمنصب دون الرياء, فهذا فيه الحديث السابق.
قوله"وأيضًا فمن طلب العلم للآخرة كساه العلم خشيةً لله, واستكان وتواضع, ومن طلبه للدنيا تكبَّر به وتكثَّر وتجبَّر, وازدرى بالمسلمين العامَّة, وكان عاقبة أمره إلى سفالٍ وحقارة":
فالذين يطلبون العلم لله يزدادون لله خشية, ويتقربون إلى الله جل وعلا بهذا العلم, يعبدون الله به, ويصلون به أرحامهم, ويؤدون حق الله في ذلك, ويبتعدون عما حرم الله, ويتواضعون لله, ويكسبهم العلم الخشية والوقار والسكينة, ويبتعدون عن رذائل الأمور من الكبر والحسد والشهوة والغضب المذموم ونحو ذلك. وأما الذين يريدون العلم للدنيا, ويريدون به مجاراة السفهاء ومماراة العلماء, فهؤلاء يكتسبون بهذا العلم