كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تحدث, تحدث كلمةً كلمة. وكان الصحابة يفهمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانوا يقتدون به, ويبلِّغون سنته إلى الآخرين, والذين يتعلمون من الصحابة يفهمون كلام الصحابة.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تحدث, تحدث ثلاثًا, وإذا سلَّم, سلَّم ثلاثًا, هذا ليسمع ويبلِّغ ويعلِّم ويفهم, وأما إذا فُهِمَ بالمرة الأولى فلا يُعَاد. شخص دخل مجلسًا فقال: السلام عليكم, فلم يُسْمِع, لا حرج أن يعيد السلام مرةً أخرى, وإذا سُمِعَ وردوا سلامه, فلا يعيد السلام مرةً أخرى. عالم يعلِّم فغلب على ظنه أن الطلبة لم يستوعبوا ولم يفهموا كلامه, لا حرج أن يعيد الكلام, وأن يكرره, لأن هذه المجالس مجالس طلب, ومجالس علم, فإذا خرج الطالب من درس المعلم ولم يفهم شيئًا, فأيُّ فائدةٍ في الحضور؟! وأيُّ فائدةٍ في تسخير هذا الوقت للطلب بدون معرفة وبدون فهم؟! فلذلك كان السلف يذمون الإسراع الذي يخل بالألفاظ, ولا يبلِّغ المعنى المطلوب.
ولهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى"والسماع هكذا - أي بعجلةٍ تمنع إدراك حروف كثيرة أو كلمات - لا ميزة له على الإجازة, بل الإجازة صدق, وقولك: سمعت أو قرأت هذا الجزء كله, مع التمتمة ودمج بعض الكلمات, كذب":
لأنه خبر غير مطابق للواقع, والعمدة في الرواية على الصدق والضبط, ومطابقة ما يخبر به للواقع.
قوله"وقد قال النسائي في عدة أماكن من صحيحه: وذكر كلمةً معناها كذا وكذا":
ولفظ ابن دقيق العيد في الاقتراح: ولم يكن المتقدمون على هذا التساهل. هذا أبو عبد الرحمن النسائي يقول فيما لا يحصى من المواضع في كتابه: وذكر كلمة معناها كذا وكذا.