وقد يطلقون ذلك على تفرده بأصل الخبر, فلم يخالف أحدًا, وهذا باب يختلفون فيه أيضًا, وقد يطلقون الغرابة على غير هذا.
ومنهم من قسم الغرابة إلى قسمين: غرابة مطلقة, وغرابة نسبية. ولا يختلف الحكم على الحديث من هذه الغرابة إلى الأخرى, فقد يعل خبر الحديث المطلق الغرابة, وقد يعل خبر الحديث النسبي الغرابة.
وإشارة الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى بأن كثيرًا من النقاد يتوقفون في إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات, هذا قول طائفة قليلة من الأئمة, وهم يعتبرون ذلك بالراوي, وبكثرة محفوظاته, وبنوعية تفرده. والجمع بين الصحة والغرابة كثير في كلام أبي عيسى رحمه الله.
وقوله"وقد يوجد بعض ذلك في الصحاح دون بعض": هذا موجود بكثرة في البخاري, وفي مسلم, وفي الكتب الأخرى. فالغرابة ليست بلازمة للضعف, فإن الأئمة يستغربون الحديث لمعانٍ. وقد أشار إلى هذا الإمام أبو عيسى رحمه الله تعالى في كتابه العلل, المطبوع في آخر جامعه.
قوله"وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هُشَيم, وحفص بن غياث, منكرًا":
الأئمة المتقدمون رحمهم الله تعالى لا يحدون الحديث المنكر بحد, فإن هذا العلم في غالب أحكامه يقوم على التتبع والسبر والاستقراء والنظر في القرائن, ولا يحكمون في كثير من المسائل بحكم كلي لا يُختَلف فيه.
وقد جهد طائفة في حده, وقربه الإمام البرديجي رحمه الله تعالى فقال: إن المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة, أو عن التابعين عن الصحابة, لا يُعرَف ذلك الحديث إلا من طريق الذي رواه, فيكون منكرًا.
وهذا صادق على بعض الأحاديث, وليس مطَّرِدًا في كل تفرد. وهذا الباب يبنى على القرائن, فقد يعل تفرد الثقة, ويسمى حديثه منكرًا.