فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 298

والسر في هذا قلة الحفظ, فيختلف الاجتهاد ربما لقلة حفظه, فإنه يصحح وينسى أنه صحح, فبالتالي يضعف, ولأن هذا العلم مبني في أصول المتأخرين على غير أصول المتقدمين في الكثير منهم.

مثال هذا: كان الأئمة المتقدمون لا يكثرون التحسين بالشواهد, وهذا استفاض في كلام المتأخرين, حتى صارت أكثر الأحاديث الحسنة في كلامهم ما كانت بالشواهد, ومنهم من منع من التحسين بالشواهد مطلقًا, وهذا لا أصل له في كلام السلف, ولا أصل للتوسع.

وقد كان السلف يتوسطون في ذلك, فلا يحسنون بالشواهد في العقائد, ولا ما خالف أصلًا, ولا يمنعون من ذلك مطلقًا.

أمر آخر: حديث المجهول, كثير من المتأخرين يقول أن الجهالة نوعان:

جهالة حال, وجهالة عين. وجهالة الحال ما روى عن راوٍ راويان, وجهالة العين ما روى عن الراوي واحد. وبنوا على ذلك أن الأول مقبول, والثاني مردود, وهذا فيه نظر, فأئمة السلف في المجهول لا يقبلونه مطلقًا, ولا يردونه مطلقًا, فيعتبرون حديثه بالقرائن, وبحكم الأئمة عليه, فإذا تفرد هذا بأصل, أوخالف غيره, أو أتى بحديث لا يُحمَل تفرده فيه, فهذه علة, سواء روى عنه اثنان أو ثلاثة, أولم يرو عنه إلا واحد.

الأمر الثالث: كان الأئمة يشددون في مسألة الاتصال, وهذا مما تساهل فيه المتأخرون. بعكس هذا فإن المتأخرين يشددون في التدليس, حتى في الحسن البصري, وفي أبي إسحاق السبيعي, وفي قتادة, وفي الوليد بن مسلم, وفي الأعمش, إذا رأوا للواحد من هؤلاء حديثا معنعنًا, قالوا: علته الأعمش, مدلس وقد عنعن, وهذا لا يمكن أن تراه ولو في حديث واحد في كلام المتقدمين, فإنهم يفرقون بين العنعنة وبين التدليس, وهذا من اختلاف الأصول بين المتأخرين والمتقدمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت