الأمر الرابع: أن المتقدمين يُعِلُّوْنَ حديث الصدوق الذي لا يُعرَف كثرة تفرده, ولا يُعرَف له كبير حديث إذا تفرد بأصل, وهذا لا يكاد يوجد في كلام المتأخرين, وإن وُجِدَ فهو نادر. وهناك أمور غير ذلك نمر عليها إن شاء الله تعالى في أبوابها.
قال المؤلف"فيوما يصفه بالصحة ويوما يصفه بالحسن ولربما استضعفه, وهذا حق, فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ":
في الحقيقة أن الحديث الحسن هو قسم من أقسام الأحاديث الصحيحة, ولا يمكن أن يستضعفه الحافظ, لأنه لو استضعفه, أو بدا له أنه لا يتقوى, فهم يحتاطون لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فلا يصححونه, بل يضعفونه.
والحسن نوعان:
نوع يثبت تصحيحه بالأمور القطعية عند المحدث, بحيث لا يخالجه شك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال هذا, كما لا يخالجنا شك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلِّم الصحابة خطبة الحاجة كما يعلمهم السورة من القرآن, فقد جاء من رواية أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود, وجاء من رواية أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود, وصححه جمع غفير من الحفاظ.
النوع الثاني: هو الذي يختلف فيه اجتهاد الحافظ, ويكون الأمر ظنيًا بالنسبة له, فلا يقطع بصحته, ولكنه يرى أنه إلى الصحة أقرب منه إلى الضعف, فيكون تحسينه للحديث تحسينًا نسبيًا. وأمثلة هذا كثيرة جدًا, والناس يتفاوتون في هذا. ونضرب مثالًا في حديث زكاة الحُلِي الذي رواه أبو داود في سننه من طريق خالد بن الحارث عن الحسين المعلِّم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأةً أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وفي يد ابنتها مَسَكَتَانِ غليظتان من ذهب, فقال: (أتؤدين زكاة هذا؟) قالت: لا. قال: (أَيَسُرُّكِ أن يُسَوِّرَكِ الله بسوارين من نار؟) :
هذا حديث أعله الإمام النسائي رحمه الله تعالى بالإرسال, وجزم بضعفه واضطرابه الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى, وأكثر الأئمة المتقدمين يضعفونه, ولا يرون